مقدمة: وهم التوفير والانتحار المؤسساتي
في مطلع عام 2026، دشنت إدارة ترامب حقبة "الانعزالية الراديكالية" عبر الانسحاب الممنهج من المؤسسات الدولية (الأمم المتحدة، منظمة الصحة العالمية، واتفاقيات المناخ). سوّق ترامب هذه الخطوة كـ "ضربة معلم" لتوفير المليارات، إلا أن القراءة العميقة تكشف أن ما توفر في "بند المصروفات" فُقد أضعافه في "بند النفوذ". إن الانسحاب لم يكن توفيراً، بل تنازلاً طوعياً عن مقاعد القيادة لصالح القوى الصاعدة، مما حول أمريكا من "ناظم للعالم" إلى "لاعب معزول" يصرخ من خلف أسوار جمركية.
أولاً: مقصلة الرسوم الجمركية وإفشال الاستقلال الأوروبي
فرض ترامب "جزية" على الحلفاء عبر رسوم جمركية وصلت إلى 20% على قطاعات السيارات والكيمياء الأوروبية، مما خلق واقعاً جيواقتصادياً معقداً:
معضلة التبعية: وُضعت أوروبا أمام خيار صفري: الولاء المطلق مقابل الانتحار الاقتصادي.
آلية الإجهاض التقني: استخدمت الرسوم كأداة لضرب أي محاولة أوروبية لبناء بدائل سيادية (أنظمة دفع، أو سحابة بيانات)، مما أجبر القارة على البقاء داخل "الفلك الأمريكي" رغم النزيف المالي الحاد.
ثانياً: النزيف المالي المستتر.. الرسوم كفخ للميزانية الفيدرالية
بينما تفتخر الإدارة بإيرادات الجمارك، كشفت ميزانية 2026 عن "ثقب أسود" مالي ناتج عن:
تبخر ضرائب الدخل والرواتب: أدت الرسوم لرفع الأسعار وتراجع الاستهلاك المحلي، مما قلص حصيلة ضريبة الدخل. كما تسبب انكماش قطاعات الاستيراد في فقدان آلاف الوظائف، وضياع ضرائب الرواتب التي تغذي الضمان الاجتماعي.
تآكل أرباح الشركات نتيجة "الاستقلال العالمي": محاولات أوروبا وآسيا الاستغناء عن المنتجات والخدمات الأمريكية رداً على "الابتزاز الجمركي" أدت لتراجع أرباح الشركات الأمريكية الكبرى في الخارج بنسبة 15-20%. هذا "الهروب العالمي" من المنتج الأمريكي أفقد الخزانة واشنطن مليارات الدولارات من ضرائب أرباح الشركات (Corporate Tax) التي كانت العمود الفقري للاقتصاد الأمريكي.
ارتفاع كلفة الدين العام: أدت العزلة الجيوسياسية إلى تراجع الثقة في السندات الأمريكية، مما أجبر الخزانة على رفع الفائدة لجذب المستثمرين، وهو ما التهم "فوائض الجمارك" المزعومة في شكل فوائد ديون سيادية.
ثالثاً: سراب النفط الفنزويلي والمعضلة الهيكلية
راهن ترامب على "استلاب" عوائد النفط الفنزويلي لتعويض العجز المالي، لكن الواقع التقني في 2026 صدم واشنطن:
الوهم الكيميائي: اكتشفت واشنطن أن النفط الفنزويلي "ثقيل" ويتطلب استثمارات تفوق 100 مليار دولار لإصلاح المصافي المتهالكة، وهو ما لا تستطيع ميزانية "منكفئة" توفيره.
المأزق السيادي: الاصطدام بالمصالح الصينية والروسية هناك حول الرهان إلى استنزاف جيوسياسي بدلاً من أن يكون مكسباً مالياً.
رابعاً: الذكاء الاصطناعي.. انحسار الأسطورة وتأميم التقنية
انتهت في 2026 أسطورة الذكاء الاصطناعي كـ "مخلص" وحيد للاقتصاد الغربي:
التحول لبنية مشاعة: أصبح الذكاء الاصطناعي "سلعة" (Commodity) متوفرة للجميع. بظهور نماذج "سيادية" في الصين والشرق، فقدت أمريكا قدرتها على استخدام التقنية كـ "عصا غليظة"، وثبت أن الخوارزميات لا يمكنها سد فجوات الديون السيادية.
خامساً: انتحار القوة الناعمة وتكريس العصبية العرقية
أجهزت واشنطن على سحرها الخاص حين حولت قيمها إلى "أسلحة". وثيقة الأمن القومي لعام 2026، التي نصت على الحفاظ على "أوروبا بيضاء مسيحية"، كانت بمثابة رصاصة الرحمة على "العالمية الأمريكية". إن المراهنة على "النقاء العرقي" كفخ لإبقاء الحلفاء لن يملأ البطون الخاوية، بل سيزيد من عزلة أمريكا عن "الجنوب العالمي".
سادساً: التعددية الحضارية والبدائل القيمية القادمة
في مقابل هذا الانكفاء، يبرز مساران يتجاوزان منطق "الجشع":
النموذج الصيني: يكتفي ببناء الموانئ والطرق (البراجماتية المادية) دون التدخل في الهويات.
النموذج الإسلامي: يبرز كقطب أخلاقي يقدم "الثبات" في زمن "السيولة". بتماسكه الأسري ونظامه المالي الأخلاقي، يمثل الملاذ للشعوب الساعية للاستقلال عن الجشع الغربي المتآكل.
خاتمة: نحو عالم ما بعد الهيمنة
إن عام 2026 يكتب شهادة وفاة "المركزية الغربية" التي انتحرت بيدها. التاريخ يفتح أبوابه الآن لحضارات لا تقتات على امتصاص ثروات الآخرين، بل على التكامل والاحترام المتبادل، بعيداً عن كبرياء المركزية التي تحولت إلى "تابوت" لمجدها القديم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق