الجمعة، 17 مايو 2019

ترجمة أسماء الشخصيات في ترجمة أدب الأطفال… منهج وظيفي

تأليف: جان فان كويلي
———-————————————————-
جان فان كويلي: يدرس اللغة الهولندية وأدب الطفل في الترجمة في قسم اللغويات التطبيقية في جامعة Hogeschool voor Wetenschap & Kunst في بروكسل، ويمثل رئيس مركز بلجيكا الوطني لأدب الطفل. قام بنشر الكثير من أشعار الأطفال والقصص الخيالية وتاريخ أدب الطفل، وعمل من ١٩٩٩ حتى ٢٠٠٤م رئيس المحررين في موسوعة أدب الطفل الهولندية. وهو يعمل أيضا مترجما نشطا وخصوصا في ترجمة كتب الأطفال المصورة.
-------------------------------------------------------------------------
تعدّ الأسماء من الأمور المقدسة، لكن ليس الأمر كذلك في كتب الأطفال؛ إذ يبدو أن هناك عادة شائعة في تكييف الأسماء للثقافة المستهدفة. تبحث هذه المقالة في ترجمة الأسماء الشخصية من وجهة نظر وظيفية. بدءا من تصنيف الاستراتيجيات المتعددة التي يمكن للمترجم تطبيقها عندما يقابل اسم شخصية في النص المصدر، واختبار كل استراتيجية على ضوء مدى تأثيرها على وظائف الأسماء في النص.

وظائف الأسماء
تخدم الأسماء وظائف متعددة في النص، وقد عرّف الباحث فكرة الوظيفة بأنها “التأثير المحتمل”، ومن ثمّ فهي تشمل التأثيرات المقصودة وغير المقصودة.
وقد ميّز الباحث بين ست وظائف للأسماء ذات العلاقة بأغراض المؤلفين واحتياجات القراء، وهذه الوظائف هي: وظيفة إخبارية تقوم بإيصال معلومة ما للقراء، ووظيفة تشكيلية، حيث تجابه القراء بالمبادئ والقيم مع أو بدون تقديم بوصلة أخلاقية، ووظيفة عاطفية تخاطب الأحاسيس وتلهبها، ووظيفة إبداعية تحاكي الخيال، ووظيفة التسلية التي تقوم بتغطية الحاجة إلى الاسترخاء، ووظيفة جمالية تقدم المتعة الجمالية.
الاستراتيجيات
يواجه كل مترجم في أدب الطفل غالبا في وقت ما السؤال الصعب: ما الذي يجب أن يفعله مع الأسماء. فهو إذا استخدم الاسم كما هو فهناك مخاطرة بأن يحدث تأثيرا لم يقصده المؤلف، فعلى سبيل المثال يصبح الاسم صعب القراءة أو لا يحوي على الدلالة الضمنية المرادة في اللغة المستهدفة. وعندما يقوم المترجم بتغيير الاسم يفعل ذلك ليتأكد من أن الاسم المترجم سيقوم بأداء وظيفته بالدقة التي يؤديها الاسم الأصلي.
وسواء أأبقى المترجم الاسم الأصلي أو قام بتغييره فإن اختياره له تأثير على وظيفة الاسم في النص، وسأناقش عشر استراتيجيات محتملة يمكن للمترجم أن يعتمدها عندما يتعامل مع ترجمة الأسماء.

لا ترجمة، إعادة إنتاج، نسخ
يمكن للمترجم أن يترك الأسماء الأجنبية كما هي، إلا أن هذا قد يضيف تأثيرًا أجنبيًا لقارئ الترجمة مما يصعِّب الأمر على القارئ في تمييز الشخصيات، بالإضافة إلى أن الأسماء الأصلية الصعبة ربما تفسد متعة القراءة.
كذلك إذا كان الاسم يشير إلى شخصية مشهورة في ثقافة النص الأصلي فإن الاسم سيقوم بوظيفته بشكل مختلف إذا كان قارئ الترجمة لا يعرف هذه الشخصية التي يشير إليها الاسم. ومثاله اسم شخصية رياضية مشهورة في بلد لغة الأصل وهذه الشخصية غير معروفة في بلد اللغة المستهدفة.
أيضا يكون التأثير أعظم إذا كان الاسم المبتكر في النص الأصل يحمل دلالة ضمنية معينة أو يشير إلى صفة أخلاقية محددة، فعندما لا يستطيع قارئ الترجمة استحضار هذه الدلالة لاختلاف الثقافة واللغة؛ فإن تأثير الاسم يصبح عديم الفائدة ويفقد القارئ المتعة الفكرية في فهم النص.
لا ترجمة لكن مع شرح إضافي
في هذه الحالة يقوم المترجم بإضافة شرح عن طريق الهوامش أو في النص ذاته من أجل ردم هوة المعرفة بين قارئ النص المصدري وقارئ النص المستهدف، إلا أنه بفعل ذلك يعزز المترجم الوظيفة الإخبارية مما يعطي فرصة لقارئ الترجمة لتعلم أشياء جديدة؛ بينما لا يجدها قارئ النص الأصلي، كذلك إذا كانت الشروح فضولية أو مملة فإن ذلك سيؤثر على متعة القارئ بلا شك.
كذلك إذا حاول المترجم شرح الدلالة الضمنية المصاحبة لاسم الشخصية فإن قارئ الترجمة سيتعلم شيئا جديدا بشكل واضح (معني كلمة من لغة أجنبية) وإذا فعل ذلك في شرح شعر أو جملة فإن وظيفة التسلية ستضيع لأن النكتة إذا شرحت فقدت معناها.
استبدال الاسم الشخصي بصفة عامة
يمكن للمترجم أن يستبدل اسما شخصيا بصفة عامة تصف ذلك الشخص، مثل أن يقوم باستبدال اسم مغني معين بـ “مغني رجل أنيق” وفي العادة تتبع هذه الاستراتيجية عندما ينقل المترجم المحتوى كاملا؛ لكن لا يجد اسما في اللغة المستهدفة يثير الدلالات المرتبطة التي يثيرها الاسم الأصلي.

التكييف الصوتي إلى اللغة المستهدفة
يعمد المترجمون عادة إلى تكييف الأسماء الحقيقية أو المتخيلة بنقلها بصورتها اللفظية كما تنطق في اللغة الأصلية مع مراعاة اختلاف اللغات من حيث الحروف الممثلة لأصوات معينة، من مثل نقل Jane إلى جين بالعربية.

الاستبدال بالاسم المناظر في اللغة الهدف
بعض الأسماء الشهيرة والشخصيات التاريخية لها أسماء مناظرة في اللغات المختلفة، ومثاله في اللغة الهولندية يصبح John (جون) Jan (جان) كذلك أسماء البلدان، إن هذا الاستبدال يصنع تكاملا مع الأسماء في ثقافة اللغة المستهدفة مما يمكنها من أداء وظيفتها بطريقة مساوية للأسماء الأصلية.
الاستبدال باسم أكثر شهرة في ثقافة النص الأصلي أو اسم ذي شهرة دولية لديه الوظيفة ذاتها
يختار المترجم هذه الاستراتيجية من أجل الوضوح من دون استبعاد السياق الأجنبي. ويشترط لنجاح هذه الاستراتيجية أن تظل العناصر الدلالية للاسم ذات صلة بالنص الأصلي. فعندما قام المترجم باستبدال المغني الفرنسي ( Georges Brassens) باسم مغنٍ أكثر شهرة (Celine Dion) فإن العديد من العناصر الدلالية تغيرت إلا أن المترجم حافظ – على كل حال – على العنصر الأكثر أهمية في القصة وهي شخصية المغني.
الاستبدال باسم آخر من اللغة المستهدفة (الإحلال)
يقوم المترجم في هذه الاستراتيجية باستبدال أسماء من اللغة المستهدفة بالأسماء الأصلية بحيث تصبح الأسماء أكثر تكاملا مع الثقافة المستهدفة، فالأسماء قد تتغير إلا أن وظيفتها تظل نفسها. ومثاله استبدال Nick بـ Peter ، ويجب على المترجم الذي يختار هذه الاستراتيجية أن يأخذ بالحسبان العناصر الدلالية المرجعية والإشارات الضمنية في السياق الأصلي.
ترجمة الأسماء ذات الدلالات الضمنية المعينة
إن الإجراء الشائع في ترجمة الأسماء ذات الدلالات الضمنية هو إعادة إنتاج تلك الدلالات الضمنية في اللغة المستهدفة. فالسيد Wormwood يصبح في اللغة الهولندية meneer Wurmhout. وفي هذه الحالة يحافظ المترجم على وظائف الأسماء كاملة، إذ تقدح نفس الصورة في الذهن وتساعد على إنتاج ذات التأثير العاطفي والمرح.
إن ترجمة أسماء الحيوانات من النماذج الواضحة التي لا غموض فيها، وتتبع هذه الاستراتيجية فيها حيث يترجم على سبيل المثال Squirrel إلى سنجاب في اللغة العربية.

الاستبدال باسم يحمل دلالة ضمنية أخرى أو إضافية
إنه من الجدير بالملاحظة قلة الأسماء التي تحمل دلالات ضمنية محددة تترجم حرفيا. ففي بعض الأحيان الترجمة الحرفية ينتج عنها تغير في الوظيفة العاطفية.
وفي كثير من الحالات تحافظ البدائل أو تعزز وظيفة التسلية، فهي قد تقدم بعض صفات الشخصية الأخرى، فعلى سبيل المثال عندما ترجمت قصة هاري بوتر وحجر الفيلسوف إلى الهولندية ترجم اسم (Miranda Goshawk) إلى (Miranda Wiggelaar) إذ استبدلت الدلالة الضمنية (hawk) بدلالة تدل على كيف تمارس هذه الشخصية السحر في اللغة الهولندية من كلمة (wichelaar).
كذلك عندما يقوم المترجم باستبدال اسم ذي رنين محبب باسم صعب القراءة، إلا أن هذه الاستراتيجية تقع تحت المساءلة عندما تُضْعِفُ الأسماء الجديدة شخصيات القصة الأصلية. والمترجم الذي يضيف دلالات ضمنية غير موجودة في النص الأصلي يخطو خطوة إضافية، وفي هذه الحالة تتغير وظيفتا العاطفة والتسلية في النص الأصلي لأن الدلالات الضمنية المضافة تقدح صورا مختلفة في ذهن القارئ.
الحذف
آخر ملجأ في التعامل مع مشاكل الترجمة الحذف والإبعاد تماما، وهذه الاستراتيجية تستخدم في الكلمات غير القابلة للترجمة، ففي قصة (The Steps up the Chimney) يسأل العم Jack وليليم أن يردد اسم: (Stephen Who?‎) وكان تفاعل أليس بقوله (No, Doctor Who!‎) وهو يشير إلى المسلسل التلفزيوني البريطاني الشهير، وبما أن هذه الإجابة لن تكون مفهومة في النسخة الهولندية من القصة فإن ذلك الجزء حذف تماما واختفت وظيفة التسلية معه.
دوافع المترجم
إن اختيار المترجم إحدى الاستراتيجيات التي ذكرت أعلاه يعتمد على عوامل مختلفة، وقد قسمتها إلى أربع تصنيفات:

طبيعة الاسم
إن الدلالات الضمنية المتعلقة بالاسم تبدو أنها أكثر الأسباب التي تدفع إلى تغييره؛ إلا أن هناك عوامل تتعلق بطبيعة الاسم لها دور في التغيير أيضا.
أولاها “أجنبية” الاسم لقراء النص المستهدف، فكلما زادت غرابة الاسم، زادت احتمالية تغييره في كتب الأطفال وخصوصا إذا كان الاسم صعب القراءة.
وقد يلجأ المترجم إلى تغيير الاسم غير المعروف في الثقافة المستهدفة إذا كان يسبب حيرة وإرباكًا من مثل جنس الشخصية (ذكر أو أنثى).
أما استراتيجية المترجم عادة في أسماء الشخصيات الشهيرة تحدد إذا ما كانت هذه الشخصيات معروفة بين الجمهور المستهدف، وهذا أمر مشكلٌ حقًا لأنَّ قياس شهرة الأسماء الأجنبية عمل محفوف بمخاطر عديدة.
ويستبدل اسم الشهرة بالاسم الأول أو العكس على حسب ثقافة المستهدفة، وتستبدل عادة الأسماء المأخوذة من العوالم الخيالية بالأسماء الحقيقية.
أخيرا يمكن للجرس الصوتي والإيقاع والتورية أن تحدد استراتيجية الترجمة.
العوامل النصية
إن الأسماء تُضَمَّنُ بثبات في السياق الثقافي، وكلما زادت أهمية السياق للكتاب قلّت احتمالية تغيير السياق بداهة. وإذا لم يكن السياق متطورا بدرجة مؤثرة أو أنه غير أساسي للنمط المركزي في القصة، فإن احتمالية تغييره هو والأسماء المصاحبة له كبيرة.
فطريقة استخدام الاسم في النص يمكن أن تحدد الاستراتيجية، فالشخصية التاريخية (غير معروفة في اللغة المستهدفة) تستبدل بسهولة أو تحذف بالكامل إذا قدمت في النص لغير معناها التاريخي بل لمجرد توضيح صفة أخلاقية لشخصية معينة على سبيل المثال. والمترجم لا يمكنه أن يحذف أسماء تحوي تورية إذا كانت تلك التورية لها دور لاحق في النص.
أما الأسماء في الشعر فيمكن استبدالها لأغراض استقامة الوزن والقافية. وأخيرا يمكن للرسوم التوضيحية أن تحدد الاستراتيجية وخصوصًا في الأسماء التي تشرح الرسومات دلالاتها الضمنية بشكل جلي.

أطر المترجم المرجعية
عندما يختار المترجمون الاستراتيجية المناسبة فإنهم ينطلقون من أطرهم المرجعية: معرفتهم المتراكمة، والخبرات، والأفكار، والمبادئ والقيم.
إن العنصر الأساسي الذي يجعل المترجم يترجم اسما ذا دلالة ضمنية هو معرفته باللغة (ومهارته في استخدام القواميس) فهو يجب أن يتعرف على المعنى المراد، وقد تساعده ثقافته العامة على معرفة الشخصيات الشهيرة، ومعرفة حياة المؤلف لها تأثير على اختيارات الترجمة، فلو كان المترجم يعرف أن إيليسا وليسا وتيلا في قصة أليس في بلاد العجائب تشير إلى أخوات ليدل الثلاث لربما لن يغير الأسماء وسيبقيها كما هي.
وقد يتأثر المترجم أيضا بالتدريب الذي تلقاه في الدراسة والعمل وبقراءته وتواصله مع المترجمين الآخرين والمراجعين والناشرين.
كذلك يلعب المناخ الأدبي دورًا في اختيار الاستراتيجية المناسبة، فمثلا نظام أدب الطفل في هولندا وبلجيكا ينحو إلى أن يكون نظامًا للبالغين، ومن ثم يشجع هذا النظام المترجمين على عدم التغيير أو تقديم أي مساعدة للقرّاء.
ومن الأشياء المؤثرة أيضا في اختيار استراتيجية الترجمة نظرة المترجم لعالم الطفولة وكيف يمكن للأطفال أن يتعاملوا معها، فبعض المترجمين يختار تعديل الأسماء الأجنبية لأنهم يظنون أن الأطفال لن يتقبلوا العناصر الأجنبية في النص مثلما يفعل البالغون؛ بينما يعارض آخرون هذا التوجه، ويرون أن الكلمات الأجنبية لها دور مهم في القراءة ولا تشكل عائقا أثناء القراءة.
أيضا في بعض الأحيان تحمل الأسماء معاني غير مقبولة في اللغة المستهدفة، مثل الدلالات الدينية والجنسية مما يؤثر على اختيار الاستراتيجية المناسبة كثيرا.
وأخيرا تعلب الأفكار حول وظيفة كتب الأطفال دورا مهما، ووهي مرتبطة بشكل وثيق مع نظرة المترجم الشخصية للطفولة. فالاختيار بين عدم الخروج عن المألوف أو الثراء الثقافي له دور حساس هنا. فالمترجم الذي يهدف إلى عدم الخروج عن المألوف سينحو إلى تعديل الأسماء، فهو يفترض أن القراء الصغار يمكنهم بسهولة فهم الشخصيات ذات الأسماء المألوفة، وعندما تصبح الألفة هي الهدف الأساسي فإن المترجم عادة يكيف العناصر الثقافية الأخرى من مثل أسماء الأماكن والأطباق والمقاييس و الأوزان وعناوين الكتب.
أما المترجم الذي يختار الحفاظ على الأسماء الأجنبية وبقية العناصر الثقافية فإنهم يفعل ذلك بدافع تعريف الأطفال على الثقافات الأخرى عبر الترجمة.
كذلك يمكن لعمر المجموعة المستهدفة أن يقوم بدور مهم في إبقاء العناصر الأجنبية في القصة، وخصوصا الأسماء الأجنبية، فقد أجريت عدة دراسات في هولندا وأمريكا تشير إلى أن غالبية الكتب المترجمة لعمر دون الثامنة تكيف الأسماء الأجنبية بينما تبقي الكتب للأعمار الأكبر الأسماء الأجنبية كما هي، وهذا الأمر يظهر جليا في القصص الخيالية والمرحة، حيث يركز المترجم على القراءة الممتعة.
يقول مترجم قصص هاري بوتر إلى اللغة الهولندية سيس بودنج:” في البداية أبقينا كل أسماء الانجليزية ومدلولاتها الضمنية، لكن النتيجة كانت أن الكثير من المرح والظرافة قد اختفى. لذا قررنا أن نجعل الأسماء تشبه الأسماء الهولندية، وبالنتيجة تصبح الأشياء أكثر ظرافة”.

عوامل أخرى
هناك عوامل أخرى تؤثر في اختيار الاستراتيجية من مثل قرار المؤلف الأصلي في الترجمة، وآراء القراء، والمراجعين ولجان التحكيم، والملكية الفكرية. وعادة يكون للناشر الكلمة النهائية في الموضوع، إذ إن عدم الخروج عن المألوف وقابلية القراءة والمتعة تعد معايير للنجاح التجاري، ولها تأثير في قرار ترجمة الأسماء الشخصية.
والقراء؟
تقول ريتا ويتنين إنه من المهم جدا أن تكون مخلصا لقراء النص المستهدف من أن تكون مخلصا إلى النص الأصلي. وأقول يجب على المترجم أن يتحرق إلى الموازنة بينهما. وإنه من الأهمية للمترجم أثناء اختياره للاستراتيجية المناسبة أن يسمح لنفسه بأن يسترشد بوظائف الأساسية التي يتعرف عليها في النص الأصلي، وبهذه الطريقة يكون مخلصا إلى كل من القارئ والنص معا. إن الإخلاص للقراء يتطلب أكثر من قراءة ممتعة على خلاف ما هو مشهور. وباقتفاء آثار المؤلف يمكن للمترجم
أن يجعل الترجمة أكثر تحديا وتتطلب قدرات جمالية وفكرية وإبداعية من القراء. ومن أجل الوفاء بهذا التحدي يجب أن يكون المترجم أكثر إبداعا. واللغة والخيال المستخدم في العديد من كتب الأطفال يعطيه الفرصة للقيام بذلك، إن المترجم يجب ألا يتردد في ترجمة كلمة “quidditch” إلى الكلمة الهولندية “zwerkbal” الخيار الذي يحافظ على عاملي الإبداع والتسلية في كتب هاري بوتر.

هل الكفرة لا يملكون عقولا؟

من جديد نعود إليكم بتساؤل جديد وإجابة جديدة:
 قال تعالى: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون)
سؤال:
لماذا وصف الله متبعين الشريعة بأولي الألباب ،هل هذا يعني أن الكفرة لا يملكون عقولا ،إذا لماذا تحتل إسرائيل الصدارة في سلم الاختراعات في العالم في حين يتخلف العرب المسلمون؟!

الإجابة: إن المعول عليه هو ليس كثرة الاختراعات والابتكارات بل المعول عليه هو اكتشاف طريق الهداية الربانية، طريق الله سبحانه وتعالى في هذه الدنيا، طريق الخير والصلاح، طريق الأمن والسلام.
يقول الله تعالى : ( لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ) فالله سبحانه وتعالى جعل لهم القلوب والعقول والأعين والأبصار إلا أنهم أبوا إلا طريق الضلال، يقول تعالى : ( وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ) [ الأحقاف : 26 ].

أما الاختراعات والابتكارات فهي مفتوحة للجميع ولم تقصر على أحد، يقول تعالى في سورة الإسراء: (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا (19) كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21)).

البلاغة القرآنية بين "صم بكم عمي فهم لا يرجعون" و"ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما"


تساءلت إحدى الأخوات في فيسبوك هذا السؤال في صفحتها:
في سورة البقرة قال-"صم بكم عمي فهم لا يرجعون".
في سورة الإسراء قال-"ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما".

فما سر هذا الترتيب يا ترى؟!
علما أن الأولى تتكلم عن الدنيا والثانية تتكلم عن الآخرة.

الجواب: بعد بحث في التفاسير وجدت الإجابة عند الشيخ محمد عبده في تفسير المنار فلخصت مقاله بما يتناسب مع السؤال حيث يقول:
ومن نكت البلاغة في الآية أن قوله تعالى: (صم وبكم في الظلمات) في معنى قوله تعالى في "سورة البقرة ": (صم بكم عمي 2: 18) فلماذا سردت الصفات الثلاث في البقرة مفصولة ووصلت كلها بالعطف في آية الإسراء (17: 97)؟ لم أر لأحد كلاما في الفرق بين هذه الآيات... والذي يظهر لنا في المقابلة أن ترك العطف في آيتي البقرة لبيان أن هذه الصفات لاصقة بالموصوفين بها مجتمعة في آن واحد، والأولى منهما في المختوم على قلوبهم الميئوس من إيمانهم من المنافقين وغيرهم، والثانية في المقلدين الجامدين، وكل منهما لا يستمع لدعوة الحق عند تلاوة القرآن وغيره ولا يسأل الرسول ولا غيره من المؤمنين عما يحوك في قلبه ويجول في ذهنه من الكفر والشك، ولا ينطق بما عساه يعرف من الحق، ولا يستدل بآيات الله المرئية في نفسه ولا في الآفاق، فكأنه أصم أبكم أعمى في آن واحد... وأما آية الإسراء فلا يظهر فيها هذا التقسيم ولا معنى ما دلت عليه آيتا البقرة من إرادة اجتماع تلك الصفات الثلاث الحائلة دون جميع طرق الهداية، وإنما تفيد أن هذه العلل تعرض لهم في حالات وأوقات مختلفة من يوم الحشر والجزاء، فيكونون عميا هائمين في الظلمات على وجوههم (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم 57: 12) فلا يرون الطريق الموصل إلى الجنة عندما يساق أهلها إليها ويكونون بكما (هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون 77: 35، 36) وذلك في بعض مواقف القيامة وأحوالها، ويكونون صما لا يسمعون شيئا يسرهم عندما يسمع المؤمنون المتقون بشرى المغفرة من ربهم. ويؤيد هذا التفسير مجموع ما ورد في الآيات والروايات من بيان حال الكفار في الآخرة، وروي نحوه عن ابن عباس - رضي الله عنه - فظهر الفرق بينه وبين آيتي البقرة المراد بها اجتماع الصمم والبكم والعمى في حال واحدة ووقت واحد، كأنها صفة واحدة، ولو حصل بعضها دون بعض لما أفادت أنهم لا يؤمنون.
وتأمل كيف بدأ بذكر الصم في سياق الكلام عن دعوة الإسلام وبيان إعراضهم عن قبولها، وبدأ بذكر العمى في سياق الكلام عن الحشر، فيا لله العجب من دقائق بلاغة هذا القرآن التي أعجزت البشر، وكلما غاص غائص في بحارها استفاد شيئا جديدا من فوائد الدرر، فلا تنفد عجائب إعجاز مبانيه، ولا تنتهي عجائب إعجاز معانيه.

الخميس، 24 يناير 2019

الانتهاء من ترجمة مجموعة The World of Peter Rabbit



 
وأخيرا أحد مشاريعي في الترجمة على وشك التحقق، ففي عام ٢٠١٠ اشتريت هذه مجموعة (The World of Peter Rabbit) المكونة من ٢٣ قصة وبعد تردد طويل بدأت في ترجمتها، طبعا كان من المستحيل ترجمتها دفعة واحدة لذا أصدرت أول ٥ قصص منها عام ٢٠١٥ ثم تتابعت كل سنة (على حسب الوسع والطاقة) أترجم وأنشر ٥ قصص تقريبا، وفي هذه السنة ننشر آخر مجموعة ، ليكون مجموع القصص المترجمة ٢١ قصة وما تبقى هو مجموعات شعرية للروضة.
خلال هذه الرحلة الطويلة تعلمت الكثير والكثير في الترجمة والنشر في مجال أدب الطفل، وتعرف على قدرات وكفاءات عمانية تستحق الإشادة والفخر.
ولا يسعني إلا أن أشكر كل من:
١- الاستاذ محمد الناعبي
٢- د. خليل البطاشي
٣- د. وفاء الشامسي
٤- الاستاذة أحلام الفهدية
٥- غالب النعماني
والرسامات:
١- نجلاء المنذرية
٢- حذام الحارثية

وأخيرا لكل من أرسل لي منتقدا ومقترحا ومصوبا.

الأحد، 7 أكتوبر 2018

كتاب التحفة البستانية في الاسفار الكروزية


أثناء بحثي في القصة المتعبة رقم ٢١ من قصص هيلين بتركس، أرشدني البحث إلى ترجمة فريدة قام بها المعلم بطرس البستاني عام 1861م لقصة روبنسون كروزو أسماها: " التحفة البستانية في الاسفار الكروزية" 
يقول في مقدمة الترجمة: ”أما بعد فهذه قصة لطيفة هي رحلة روبنصن كروزي وأخبار ما قاساه من الأهوال والمخاطر برا وبحرا… وهي عند الإفرنج من أغرب القصص وأظرفها وألذها، ولها المزية على باقي القصص من عدة أوجه وهي أولا إنها مبنية على أساس صحيح وروايات صادقة، ثانيا إن ما بها من الأخبار والحوادث ممكن عقلا ومقبول نقلا، ثالثا إنها مهذبة ومنزهة عن كلام السفاهة والخلاعة. رابعا إنها محتوية على حكم وآداب ونكت كبيرة الفائدة تحسن للخاصة والعامة وللأكابر والأصاغر، خامسا إنها قد زينت بصور عديدة تكميلا لها وتقريبا لفهمها.“

ما أعجبني في الترجمة اللغة الجميلة الفصيحة المهذبة والمعتنى بها جيدا، ثانيا استبدلا الأشعار الأجنبية بالأشعار العربية وكأن طريقة تعاملي مع المكونات الثقافية أثناء ترجمة أدب الطفل قد سارت على ما ساره الأقدمون.

إليكم رابط القصة وقراءة ممتعة

الجمعة، 14 سبتمبر 2018

التعامل مع المكونات الثقافية أثناء ترجمة أدب الطفل ٢



كنت قد تحدثت سابقا عن كيفية التعامل مع الشخصيات غير المحببة في ثقافة المترجم إليهم، وكيف يمكننا تغييرها بشخصيات أكثر ألفة وقربة للمجتمع الهدف.

اليوم سنتكلم عن مكون آخر وهو ترجمة شعر الأطفال، شعر الأطفال في النص المصدر إما أن يكون أصيلا (أي أن المؤلف هو من كتبه) أو أن يكون شعرا مشهورا في ثقافة المؤلف.
لن أتكلم عن الحالة الأولى لأنه يجب أن تترجم المعاني والأبنية (على حسب الطاقة) لكن سأركز على الحالة الثانية، فإذا ما كان شعر الأطفال مشهورا في ثقافة الأصل، فليس من الحكمة نقله وترجمته إلى لغة الهدف، وأنا أفضل أن أجد بديلا عنه يساوي في تأثيره مع الأصل.

المثال التطبيقي، الذي أعرضه لكم اليوم، هو ترجمة الأشعار الشعبية المتعلقة بالخنزير في الثقافة الإنجليزية،في قصة ”The Tale of Pigling Bland”  وهذا مثال عليها:

This Little Piggy
 
This little piggy went to market,
This little piggy stayed home,
This little piggy had roast beef,
This little piggy had none,
And this little piggy cried "wee wee wee" all the way home
وهذا مثال آخر:

Tom, Tom, the Piper's Son
 
Tom, he was a piper's son,
He learnt to play when he was young,
And all the tune that he could play
Was 'over the hills and far away'

لقد كنت حولت شخصية الخنزير إلى شخصية الحمل، فما العمل في مثل هذه الأغاني؟ فمحتواها لا يتوافق مع الثقافة الإسلامية، ولا يتوافق مع الشخصية الجديدة.
حاولت أن أبحث في يوتيوب  عن الأغاني الأطفال الشهيرة في الوطن العربي، لكن معظمها مكتوب ويغني بالعامية، والقصة بكاملها مكتوبة بالفصحى؟ فباءت هذه المحاولة بالفشل.
ثم حاولت البحث عن شعر الأطفال العربي، لكني لم أعرف غير شاعرين، أحمد شوقي، وسليمان العيسى.
فقضيت عدة ساعات أقلب أشعار أحمد شوقي، لكني لم أجد ضالتي فمعظمها جاءت بأسلوب القصة وتحمل نصائح، وهذا لا يتوافق مع القصة التي أترجمها.
ثم جاءني الفرج، مع شاعر الأطفال الكبير سليمان العيسى، لقد أنتج ديوانين للأطفال، ”ديوان الأطفال“ و ”أراجيح تغنى للأطفال“. ولحسن الحظ وجدت عدة قصائد عن الحملان تناسب قصتي تماما، وهي: ”الخروف الأسود“ و ”الحمل الذكي“ و ”الحمل الصغير“.

 

وهذا مقتطف من قصيدة الحمل الذكي:
”أنا الحمل الذكي أنا
أحب الوثب والمرحا
أحس الأرض لي وطنا
أغني،أنشر الفرحا“

فشكرا لشاعر الأطفال سليمان العيسى.

الاثنين، 10 سبتمبر 2018

حزام الأمان قد يكون خطيرا على الأطفال



في يوم الجمعة الماضية، حدث أمر لم أتوقعه، فقد كنت أنا والأسرة في رحلة قادمين إلى مسقط، أثناء الرحلة سألتني ابنتي ذات الأعوام الأربعة أنها ستلبس حزام الأمان، وبما أني لم أتخيل ما الذي سيحدث وافقت على ذلك، بعد فترة تفوجئت أنا وزوجي بصياحها، ولما كنت أنا السائق لم أستطع الالتفات، ظننت أن الصياح لأمر بسيط كالعادة، لكن عندما التفتت أمها، اكتشفت الأمر…
لقد التف حزام الأمان على عنقها بعدما انفتح وسحبت ماكينة حزام الأمان للخلف بقوة، فشكل مثل حبل المشنقة، بعد أن أوقفت السيارة، حاولت إرجاع الحزام للخلف حتى أتمكن من إرخائه كما هو العادة، لكن يبدو أنه يجب أن أرجع الحزام بالكامل وبعدها تستطيع إرخاءه مجددا وهذا يعني اختناق الطفلة ولا ضمان بعمله حتى عندما يرجع للكامل.
لحسن الحظ تدخلنا في الوقت المناسب ولم أجد حلا إلا بقطع حزام الأمان بسكين، للأسف لم تكن عندي سكين في السيارة فاضطررت لسياقة على هذه الحالة حزام الأمان على رقبة البنت والأم ممسكة به حتى لا يرجع للخلف ويخنقها.

الخلاصة: حزام الأمان قد يشكل خطورة على الأطفال وأنت بحاجة إلى مقعد مخصص لهم مع إشراف الوالدين، ثانيا يعتبر وجود سكين في السيارة أمر ضروري.

الأربعاء، 5 سبتمبر 2018

التعامل مع المكونات الثقافية أثناء ترجمة أدب الطفل

أثناء ترجمة أدب الطفل من الثقافة الغربية إلى الثقافة العربية الإسلامية، توجد مكونات تعتبر طبيعية في الثقافة الغربية بينما تعتبر مكروه ومنبوذة في الثقافة العربية الإسلامية.
هذه المكونات لا يمكن تجاهلها أو ترجمتها على عناتها، لأنها ستؤثر على مدى قبول القصة في الأوساط التربوية والتعليمية والمجتمع، وربما يرفض العمل المترجم بالكامل وسيتسبب في خسارة للمترجم والناشر معا. يخسر المترجم سمعته ويخسر الناشر استثماره.
الصعوبة تكمن في أنه في بعض الأحيان لا توجد بدائل مباشرة لهذه المكونات من الثقافة العربية، وسيتطلب جهدا مضاعفا من المترجم في إيجاد هذه البدائل.
هذه بعض الأمثلة لهذه المكونات الثقافية:الخنزير، والخمر، والتدخين، والقمار

اليوم سأعرض لكم تجربتي في التعامل مع هذه الصعوبة، ففي أحد قصص مؤلفة قصص الأطفال الشهيرة هيلين بيتركس واجهت قصة تدور بالكامل حول خنزير وأسرته المكونة من أمه و ٨ خنانيص (صغار الخنزير).


القصة بشكلها ورسوماتها الحالية لا تصلح للنشر في مجتمعنا، لذا كان علي البحث عن بديل، فكان أول ما خطر ببالي استبدال الخروف بالخنزير، إلا أن هذا صعب عند معرفة طبيعة الضأن وطبيعة الخنزير.
فالخنزيرة تلد ما بين ١ – ١٠ خنانيص في المرة الواحدة، أما الخروفة فتلد حملا واحد أو حملين في المرة الواحدة على الكثير. وبالرجوع للقصة كانت خنانيص من بطن واحد توائم، فكيف نحول ذلك إلى أسرة الخروف؟

ظللت أبحث وأبحث في النت، حتى وجدت خبرا في موقع أخبار عماني عن حالة تعتبر ثورية لخروفة ولدت ٥ حملان توائم من بطن واحد! 



فانحلت الإشكالية، وساعدتني البيئة العمانية مرة أخرى في ترجمة أدب الطفل الأجنبي وأقلمته.

الخميس، 16 أغسطس 2018

ملخص مبسط لكتاب نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ج١


حسنا، سأعترف لكم، لم يكن يدور في ذهني أبدا أن أجد كتاب نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام تأليف أ.د. علي سامي النشار – نشر دار السلام – بهذا العمق الفلسفي الصاخب. إنه مثل موج البحر وسط عاصفة رهيبة.
وأول ما اقتلعت هذه العاصفة العاتية فكرة فلاسفة الإسلام الكندي وابن سيناء والفارابي و ابن رشد، فاعترف لهم مؤلف الكتاب أنهم فلاسفة مسلمون، لكنهم لا يمثلون الفلسفة الإسلامية الحقة، بل فلسفتهم فلاسفة يونانية في كلياتها وجزئياتها ومزيج من الأرسططالية والأفلاطونية المحدثة كما يقول.
وكانت قاعدته الأساسية التي ارتكز عليها في تعريف أي فلسفة هي أن ”الفلسفة في أية أمة من الأمم هي انبعاث داخلي يعبر عن الروح الحضاري لهذه الأمة“.
ومن المعلوم أن علماء الإسلام حاربوا المتفلسفة المسلمين واتهموهم بالكفر والزندقة، بالرغم من محاولتهم تقريب وموائمة الفكر الفلسفي الإغريقي واليوناني مع الشريعة الإسلامية.
وبناء على هذا، فهو يعتبر علم الكلام الإسلامي هي فلسفة الإسلام بالمعني الحديث لكلمة الفلسفة. لذا حصر الكلام على نشأة هذه الفلسفة منذ القرن الأول وحتى القرن الثالث في هذا الجزء من الكتاب. وهذه خلاصة الباب الأول من الكتاب.
في الباب الثاني تكلم عن العوامل الخارجية والعوامل الداخلية التي أثرت على نشأة الفلسفة الإسلامية، ومن بينها أثر اليهودية في إدخال التشبيه والتجسيم في علم الكلام الإسلامي،
والصراع الدائر بين علماء المسلمين وعلماء النصارى حول الألوهية والتثليث والأقانيم.
ثم تكلم في فصل مطول حول تأثير الفلسفة اليونانية وطريقة انتقالها إلى العالم الإسلامي، ثم تكلم عن المدارس الطبيعية وعلمائها من مثل طاليس وأنكسمندريس والمدرسة الفيثاغورية وأهم آرائها والمدرسة الإيلية ومدرسة التغير هرقليطس ثم عرج على الطبيعيين المتأخرين من أمثال أنبادوقليس وأنكساغوراس ولوقيبوس ويموقريطس ثم عرج على المدرسة السوفسطائية والمدرسة التصورية المثالية: سقراط وأفلاطون وأرسطو ثم المدرسة اللذية وعميدها أبيقور والمدرسة الرواقية ووالشكاك التجريبيين وأخيرا الأفلاطونية المحدثة.
وخلال هذا الفصل الطويل (ما يقارب ١٠٠صفحة) حاول المؤلف بذل كل طاقته لنفي تأثير الفلسفة اليونانية على الفلسفة الإسلامية الحقيقية لأن منبع كل منهما مختلف فالأولى مادية والثانية موحدة.
وهنا أقتبس هذه الجملة من الكتاب: ”إن الفلسفة الإسلامية هي شيء أعظم بكثير وأشد نضوجا من هذه الفلسفة السابقة، هي فلسفة كاملة في تعبيرها عن الإسلام الحقيقي ، وأهلها مسلمون روحا وجسدا. إن هذه الفلسفة – فلسفة المتكلمين من أشاعرة وماتريدية ومعتزلة وشيعة معتدلة، وصوفية أخلاقية سنية – هذه الفلسفة الإسلامية لم تقبل فلسفة اليونان، بل لفظتها، أما هذا النموذج المصبوغ بصبغات اليونان والفرس وبصبغة الغنوص، فليس هو أبدا فلسفة إسلامية، من يجرؤ على القول أن الفارابي كان فيلسوف الإسلام؟! أو أن ابن سينا يمثل الفلسفة الإسلامية في شيء؟!“ (ج١/ ١٩٣)
ثم انتقل إلى تأثير الغنوصية، وعرفها بأنها التوصل بنوع من الكشف إلى المعارف العليا من دون الاستناد على الاستدلال أو البرهنة العقلية، وقد تأثرت اليهودية والنصرانية بالغنوص، ولكن الأثر الأكبر للغنوصية كان في الأديان الثنوية الفارسية من مثل كيومرث، والزروانية والزرادشية والديصانية والمانوية والمزدكية والمندائية.
وعند العرب يطلق لفظ الزندقة لكل من يؤمن بالغنوصية، فكل زنديق فهو غنوصي وأشهر ديانة للغنوصية اشتهرت بين المسلمين هي المانوية، وقد اتخذت طريق الزهد ولباس التصوف للتخفي، ولعل من أهم الغنوصيين أبو العتاهية وابن المقفع.
بعد ذلك انتقل للحديث عن الفقهاء الأربعة وعقائدهم الكلامية: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل ثم عن أهل السنة الأوائل ابن كلاب والقلانسي والمحاسبي.
وبعد أن انتهى عن نشأة أهل السنة انتقل إلى نشأة الحشوية والمشبهة والمجسمة ونص أن أول من نادى بالتجسيم هو مقاتل بن سليمان ومدرسته ثم انتقل محمد بن كرام والكرامية لتنتقل فيما بعد إلى ابن تيمة والمدرسة التي تبعته إلى هذا اليوم.
هذه المدارس السابقة هي مدارس اعتمدت على النصوص في غالب الأحيان، ولكن التفكير العقلي في الإسلام بدأ مع أصحاب مذهب الإرادة الحرة وهم القدرية (مصطلح القدرية مصطلح مخادع لأنه يفهم بأن صاحبه يؤمن بالقدر والجبر، لكنه على عكس ذلك) وهذا المذهب جاء إنكارا لأفعال بني أمية الذين نشروا الجبرية بين المسلمين، وأول من نادي بالإرادة الحرة معبد الجهني وغيلان الدمشقي. في المقابل ظهرت مدرسة المجبرة الأوائل الجهمية أتباع الجعد بن درهم والجهم بن صفوان.
ويلاحظ المؤلف أن الجهم بن صفوان تناقلت آراؤه بعد تحريفها وإلزامها فوق ما تحتمل وأن غاية الجهم بن صفوان هي تنزيه الله عن التجسيم وإثبات القدرة له.
وفي الباب الأخير من الكتاب تكلم المؤلف عن المعتزلة عن أصلهم وأهم علمائهم، واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وأبو الهذيل العلاف والنظام ومعمر بن عباد السلمي.

كما تلاحظون فإن الكتاب عميق المناقشة وكثير المعلومات، ولا يمكنني تلخيصه في مقالة صغيرة، لكن حاولت قدر المستطاع تقديم صورة مبسطة حوله.

بقي أن أتكلم عن بعض سلبيات الكتاب، ولعل أولها هي تخندق المؤلف منذ البداية في خندق المذهبية، كعالم أشعري مدافع ومنافح لكل آراء الأشعرية، مقدسا كل علمائها وكتبها، حتى لو علم أن معظم كتب المقالات والملل والنحل السنية لا تنقل الصدق أو الحقيقة على الأقل.
ففي كل الكتاب تجده يقول وقد أخطأ الشهرستاني وقد جانب الصواب ابن حزم وقد تحامل الأشعري وهكذا دواليك، حتى أنه في باب المعتزلة اعتمد على آراء ابن الراوندي الملحد في نقد علماء الإسلام.
من جهة أخرى فمن المعلوم أن آراء الأشاعرة ظهرت وتبلورت مع أبي الحسن الأشعري المتوفي عام ٣٢٤هـ، بعد قرنين تقريبا من وفاة مؤسس المعتزلة واصل بن عطاء ١٣١ هـ فكيف تحاكم آراء المتقدم وفقا لآراء ومنهج المتأخر؟ هذا من الإجحاف.

وكخلاصة، الكتاب ثري بالمعلومات، والمناقشات الفلسفية العميقة، ويحتاج إلى نفس عميق للانتهاء منه، وقد أصبح أحد الكتب المعتمدة في الكثير من الجامعات في مادة العقيدة، وأنصح بقراءته لمن يحب هذا المجال.
وبقيت أمامي الجزء الثاني والثالث.

الخميس، 9 أغسطس 2018

ترجمة الجمل المعقدة الانجليزية

أحد صعوبات الجملة الإنجليزية طولها، فهي طويلة ومحملة بصفات كثيرة، وهذا النوع من الجمل يطلق عليه الجملة المقعدة وهي أسلوب شائع في الإنجليزية.

اليوم سنتكلم عن طرق ترجمة الجملة الإنجليزية المعقدة إلى اللغة العربية، وسأقتبس كالعادة الأمثلة من كتاب ”أسس الترجمة“ للدكتور عز الدين محمد نجيب. (بالمناسبة الكتاب صغير ولكنه عملي بدرجة كبيرة جدا).

النص الإنجليزي:
Tall, Regal and intelligent, Benazir Bhutto, prime minister of Pakistan and "Daughter of the East," as she titled her autobiography, will land in Washington next week to begin an official visit to the United States.
 تحليل النص:
هذه الجملة معقدة تنقسم جملة رئيسية وخمس جمل فرعية تتنوع من
١-  صفات بسيطة (Tall, Regal and intelligent)
٢- شبه جملة وصفية (prime minister of Pakistan)
٣- عبارة وصفية ("Daughter of the East," as she titled her autobiography)
٤- الجملة الأصلية  (Benazir Bhutto will land in Washington next week)
٥- شبه جملة فرعية للسبب (to begin an official visit to the United States)

طبعا القارئ العربي لا يصبر على طول مثل هذه الجمل، لذا يفضل تجزئة الترجمة إلى جمل قصيرة، لذا اقترح الدكتور عزالدين ترجمتين:

الأولى وقد فضلها:
طويلة، ومهيبة، وذكية، هكذا تبدو بنازير بوتو – رئيسة وزراء باكستان – والتي عنونت سيرتها الذاتية ”ابنة الشرق“. وسوف تهبط بها الطائرة في واشنطن الأسبوع القادم لتبدأ زيارتها الرسمية للولايات المتحدة.

الثانية:
سوف تهبط الطائرة بنازير بوتو -رئيسة وزراء باكستان – التي تبدو طويلة ومهيبة وذكية والتي عنونت سيرتها الذاتية ”ابنة الشرق“، في واشنطن في الأسبوع القادم لتبدأ زيارتها الرسمية للولايات المتحدة.

وقد فضل الترجمة الأولى بسبب طول الجملة الاعتراضية في الترجمة الثانية، التي ربما ينسى القارئ بدايتها.

من وجهة نظري المتواضعة، الترجمة الأولى ركيكة بشكلها الحالي، والترجمة الثانية أقرب لنفسي ولكن تحتاج إلى تعديل.

وهذه محاولة مني:
ستهبط طائرة رئيسة وزراء باكستان، بنازير بوتو - الطويلة المهيبة الذكية التي عنونت سيرتها الذاتية ”ابنة الشرق“-  في واشنطن الأسبوع المقبل لتبدأ زيارة رسمية للولايات المتحدة.“

لماذا كل هذا الاهتمام، ببساطة أسلوب الأدبي الإنجليزي مثقل بالصفات وشبه الجمل الوصفية، التي تحتاج أولا إلى ترجمة الجملة الرئيسة ثم إضافة الزوائد على حسب ما يقبله الأسلوب العربي.