الثلاثاء، 9 فبراير 2010

الدين والسياسة في المسيحية والإسلام (برهان غليون)

( حصلت على المقالة التي أخبرتكم عنها سابقا في العدد 26 من مجلة التسامح ، وأحببت أن أشارككم بها لما فيها من فائدة ، المقالة طويلة بعض الشيء لذى ستحتاج في الغالب إلى وقت حتى تنتهي منها )
الدين والسياسة في المسيحية والإسلام
برهان غليون


1

لا أعتقد أن الاختلاف في أنماط العلاقة بين الدين والدولة في الغرب المسيحي أو في العالم الإسلامي أو في آسيا البوذية والكونفوشية -كما برزت في القرون الوسطى- يرجع بشكل أساس للمعتقدات الدينية، سواء أفرقت هذه المعتقدات بين ما لقيصر وما لله، وما للدولة وما للدين، أو لم تفعل ذلك، وإنما يرجع هذا الاختلاف بشكل أكبر إلى طبيعة العلاقة التي نشأت -في سياقات تاريخية وجيوسياسية مختلفة- بين رجال الدين ورجال الحكم، أي بين النخبة الدينية والنخبة السياسية. لا يعني ذلك أنه ليس للعقيدة تأثير يذكر على نوعية العلاقة الناشئة بين النخبتين، ولكنه يعني أن هذا التأثير ليس العامل الحاسم، ولا يبرز دوره إلا متأخرا في خدمة النخبة المسيطرة، وأنه لا توجد عقيدة لا تحتمل التأويل والتفسير بما يحقق مصالح السلطة المقدمة، ويضمن إضفاء الشرعية على تفوقها.
وبشكل عام، لم يكن من السهل على النخب الدينية -مهما كانت قوتها ودرجة تعلق المؤمنين بها- أن تنافس السلطة السياسية أو سلطة الدولة، فحيثما كانت هذه الدولة لا تزال حية، فاعلة ومتجذرة. ولذلك غلب على علاقة الدين بالدولة عموما خضوع النخبة الدينية للسلطة الزمنية ومسايرتها لها، وأحيانا التحالف معها، كما يبرز ذلك في نمط القيصرية البابوية المعروف أو في نمط الدين القومي، أو النمط الإسلامي، الذي يشكل حالة من التنافس الكامن بين السلطتين، لكن في إطار الاعتراف بهيمنة السلطة السياسية وسيادتها. وتشكل أوروبة المسيحية في العصر الوسيط في نظري استثناء نادرا في هذا المجال، كانت له نتائج غير مسبوقة أيضا، سواء في تطوير مفهوم الدولة ومكانتها في المجتمع، أم في إعادة بناء مفهوم الدين وتمييزه عن مفهوم السياسية ومسألة تنظيم الحياة الدنيوية. ففي هذه القارة وحدها نجحت النخبة الدينية في أن تفرض سلطانها على المجتمع، وأن تُلحق بها -بصورة أو أخرى- السلطة الزمنية وتفرض وصايتها الروحية عليها، كما جسد ذلك لفترة طويلة حرص الملوك الأوربيين على انتزاع موافقة البابا أو مصادقته. وقد حدث ذلك نتيجة التقاء عاملين مهمين: التنظيم القوي والفعال للنخبة الدينية، كما تجسده الكنيسة التي تكونت في تشكيلات اجتماعية سابقة ومتقدمة، واتخذت طابعا عابرا للدول والقوميات، رافق تكون الجماعة الدينية وقيادتها في كفاحها الطويل للمحافظة على البقاء وكسب الشرعية. والثاني الفراغ الذي خلفه انهيار نموذج الدولة الإمبراطورية في أوروبة، وضياع تقاليدها وفساد مفهومها على أثر الغزوات البربرية، وإخفاق محاولات شارل مارتيل مؤسس الإمبراطورية الكورلنجية -وسلالته من بعده- في إعادة بناء الإمبراطورية الغربية المقدسة التي كان الجميع يحلم بها.
في إطار عالم تسوده الفوضى الفكرية والسياسية معا، وتتنازع فيه القوى والجماعات من دون ضابط أو قاعدة مشتركة، وجدت الكنيسة نفسها مدفوعة إلى لعب دور سياسي بارز -إلى جانب دورها الديني الرئيس- في توحيد هذا العالم وبث الحد الأدنى من النظام والاتساق الفكري والسياسي فيه. وقد فرض هذا الدور نفسه مع تزايد الطلب الاجتماعي على الكنيسة البابوية وتدخلها في الشؤون السياسية والاجتماعية، وذلك من قبل الجماعات الأهلية ومن قبل الملوك الإقطاعيين المتنازعين معا، بموازاة إخفاق هؤلاء جميعا -خلال قرون عديدة، وحتى القرن الثالث عشر- في إقامة الدولة القادرة على الوفاء بحاجات بناء حياة قانونية سليمة وحفظ الأمن والنظام والسلام العام وضمان التكافل والتعاون الاجتماعيين. نتيجة ذلك تحولت الكنيسة بصورة تلقائية إلى مركز قيادة للجماعات وتنظيم لها، وبطل اقتصار نشاطها على التوجيه الروحي. هكذا وجد رجال الدين أنفسهم مشدودين أكثر فأكثر إلى ملء المناصب الدنيوية الشاغرة، والمشاركة النشطة في جميع النشاطات الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. فلم يكتف هؤلاء بنشر العقيدة وتقديم العظات في الكنائس؛ ولكنهم اهتموا أيضا بالتعليم وبناء الجامعات وتسييرها، وتأطير المجتمعات وتنظيم شؤونها، ومعالجة الأفراد ورعايتهم، كما تدخلوا في إنتاج الثروة وتوزيعها.
وليس هناك شك في أن المسيحية قد تحولت في الغرب الوسيط إلى ثقافة، وأصبحت الكنيسة في الغرب دولة قائمة بذاتها، أو ما يشبه الدولة، بقدر ما نجحت في التقريب بين جماعات مشتتة، ووحدت تفكيرها ووعيها الجمعي فيما وراء اختلاف الممالك والتمايزات القومية والاجتماعية. وأصبح الولاء للكنيسة والخضوع لها جزءا من المشاركة في مشروع اجتماعي عام يتجاوز في أهدافه مجال تلبية الحاجات الروحية، أي ضمان الخلاص الأخروي؛ ليطال مسائل كبرى تخص مجال الدنيوي أيضا.
وهذا الطلب المتزايد على خدمات الكنيسة هو ما يفسر -في نظري- حركة التنصر الشاملة التي ستشهدها أوربة منذ القرن التاسع، كما يفسر نشوء مسيحية غربية متميزة عن المسيحية الشرقية، ومتفوقة عليها فيما بعد بالعدة والعدد، وبالتالي انتقال مركز الثقل لهذه الديانة الشرقية نهائيا إلى الغرب، حتى ليكاد المسيحي ينسى اليوم -أمام ما تتمتع به المسيحية من مكانة وأبهة وموارد في موطنها الجديد، أعني الغرب الأوروبي- انتماءها في الأصل إلى التقاليد الشرقية والسامية والمتوسطية.
انطلاقا من هذا الإسهام الكبير للكنيسة في إعادة بناء اللحمة الاجتماعية المنحلة، واعتمادا عليها، نجحت النخبة الدينية في أن تجعل من الكنيسة المركز الرئيس لتنظيم المجتمعات، وأن تستفيد من هذه الهالة التي كونتها لنفسها لتعزيز مواقعها، وفرض وصايتها على النخب الاجتماعية الأخرى: الثقافية والسياسية والمهنية، قبل أن تنزع -في مرحلة ثانية- إلى التحكم بشروط حياة المجتمعات؛ ليصبح الدفاع عن الوضع القائم وضمان السيطرة الدائمة للكنيسة على مصيرها جزءا من الحفاظ على النظام، ومن ورائه على السلام والأمن. ولا تزال آثار هذه السيطرة المتعددة الأشكال، التي مارستها الكنيسة على تنظيم المجتمعات وقيادتها الفكرية والسياسية ماثلة إلى اليوم، بالرغم من قيام الدولة الحديثة وسعيها المستميت إلى القضاء على امتيازات الكنيسة ودفعها إلى الانسحاب من المواقع المعنوية والمادية التي احتلتها في العصور السابقة.
2
بيد أن نظام السيطرة الكنسية أو الكهنوتية كان يحمل -مثله مثل أي نظام كان- بذور تفسخه في داخله، بمقدار ما كان تحقيق التوحيد الأيديولوجي والتنظيم الكنسي وسيطرة رجال الدين يستدعي نشوء الفوضى خارجه وإلى جانبه، سواء من خلال الإقصاء أو القسر، قبل أن ينتقل إلى داخل النظام الكنسي ذاته متجسدا في الفساد الذي تقود إليه -لا محالة- أي سلطة مطلقة لا تخضع للرقابة والمحاسبة من قِبل مَن تتحكم بهم. وما كان من الممكن للحكم الكنسي أن يستمر من دون أن يثير مشاكل، وينتج توترات، ويخلق تناقضات تتفاقم باستمرار بين النخب الاجتماعية المتعددة من جهة، وبين النخبة الكنسية المسيطرة وفئات المجتمع والجماعات الأهلية أيضا. وربما عبّرت الحروب الصليبية -التي هدفت إلى تجاوز هذه التناقضات، وعكسها نحو الخارج؛ للحفاظ على نظام السيطرة الكنسية والتمديد في عمره- عن مدى القوة التي بلغتها سلطة رجال الدين في العصور الوسطى، بقدر ما كشفت في الوقت نفسه عن المأزق الذي وضع فيه نظامها المجتمعات الأوروبية. وكانت نهاية هذه الحروب إعلانا لبدء الحرب الداخلية التي لن تتوقف قبل أن تُحِّيد رجال الكنيسة وتقصيهم عن مجال عمل الدولة والسلطة السياسية. فبدل أن تعزز الحروب الصليبية سيطرة الكنيسة وتسهم في تخفيف التوترات وحسم التناقضات التي حاولت الهرب منها، عملت على تفاقمها. هكذا ستترافق نهاية هذه الحروب -المخفقة على جميع المستويات: الدينية والاقتصادية- بسلسلة من الزلازل الفكرية والسياسية والاجتماعية لن تنتهي إلا بتفكيك النظام القديم بمكوناته المختلفة: الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية. وفي سياق ذلك بعث الدولة وإعادة تأهيلها، بوصفها مركز تنظيم المجتمعات وقيادتها الفكرية والأخلاقية أيضا، وإطار ممارسة سلطة سياسية جديدة تختلف عن سلطة الأرستقراطية والكنيسة التي كانت تقف وراء الإمبراطوريات الغربية.
منذ القرن الرابع عشر سوف تبرز ردود الأفعال القوية من داخل الكنيسة ذاتها على الفساد الذي أخذ يتنامى، مع انحطاط الإدارة وانتشار الشعوذة والرشوة، وتراجع صدقية السلطة المطلقة للبابوات وضياع هيبتهم. ولن تعمل الانشقاقات والشيع الناجمة عن تنامي النزاعات والتناقضات التي بدأت تتوالى -الاجتماعية (مجمع الكنائس الأرستقراطية والوطنية في بيز بإيطاليا)، والأقوامية (النزاعات الفرنسية الإنكليزية) التي طمستها لوقت طويل الوحدة الدينية الشكلية الممثلة بشمولية الكنسية- إلا على تغذية ديناميكية التفكك والانحلال هذه.
في ظل هذا الانحطاط كان بُرعُم التغيير والتحول العميق يرسم ملامحه ويحضر أدواته. وفي الثغرات الكثيرة التي فتحتها أزمة نظام السيطرة الكنسية سوف تتكون قوى التغيير وتتخذ مواقعها. ومن هذه القوى الحركة الإنسانية أو الإنسوية التي ظهرت منذ القرن الرابع عشر في مدن إيطاليا بدعم من الأمراء والتجار الأثرياء المحبين للفن والأدب والباحثين عن الشهرة والمجد، بل ومن بعض البابوات أيضا. ولا تزال مدن فلورنسا وجينوا مليئة بآثار فن النهضة الإيطالية وتوجهات فنانيها ومفكريها الإنسانية. وقد أسهم الإنسويون -بتوجههم نحو الأدبيات اليونانية والرومانية القديمة- في الخروج من سلطة المعرفة والرؤية الكنسية والدينية عموما ليعيدوا التفكير -كما ذكروا هم أنفسهم- إلى النهل من الموارد الأصلية للفكر والأدب الكلاسيكيين؛ أي ليعيدوا اكتشاف الإنسان وماهية نظمه الفكرية (الفلسفة مقابل اللاهوت) والسياسية (الدولة مقابل الكنيسة)، التي طمستها لزمن طويل الفكرة الدينية والسلطة التيوقراطية. وكانت هذه الحركة أول خطوة حاسمة في اتجاه بناء أسس التفكير العقلي الحديث، وإعادة النظر في قواعد تنظيم المجتمعات السياسية والاجتماعية1. وسيعطي اختراع المطبعة في أوروبة في 1455 لهذه الحركة وسيلة حاسمة لنقلها ونشرها في أوروبة كلها، أي لولادة ثقافة جديدة مستقلة إلى هذا الحد أو ذاك عن الثقافة القرسطوية الكنسية، وقائمة إلى جانبها.
لكن حركة النقض البطيء لنظام السيطرة الكنسية لن تتوقف عند هذه المحطة الفكرية والأدبية، التي سيجعل منها تاريخ الأفكار الحقبة التأسيسية للغرب الحديث بأكمله، متجاوزا بذلك كل تراث الحضارة الإسلامية وتأثيراتها على تاريخ المنطقة المتوسطية وبالتالي الأوروبية. فقبل أن تستنفد النهضة طاقاتها، وفي سياقها التاريخي، أو على إثرها، ستنطلق الثورة الدينية التي ستغير تصور أوروبة للدين ومكانته في حياة الفرد والمجتمع على حد سواء.
وقد أطلق اسم الإصلاح الديني على هذه الثورة الدينية التي أدت إلى تصدع الكنيسة الكاثوليكية في القرن السادس عشر، وبروز المذاهب البروتستنتية الجديدة في قسم كبير من أوربة المسيحية، قبل أن ينجح قادة الكنيسة الكاثوليكية في وضع حد لتوسعها السريع بفضل حركة إصلاح مختلفة أطلق عليه اسم الإصلاح المضاد، جمع بين شقين: العودة إلى ما يشبه محاكم التفتيش لمعاقبة المنشقين وردعهم، وإصلاح المؤسسة الكنسية البابوية نفسها.
يرجع المؤرخون بدايات هذه الثورة الإصلاحية إلى يوم 13 أكتوبر 1517م عندما علق مارتن لوثر قائمة أطروحاته ال 95 على باب كنيسة قصر ويتنبرغ. أما جان بوبيرو فيرى أن مولد البروتستنتية يرجع إلى 1520م عندما لفظت الكنيسة مارتن لوثر واعتبرته خارجا عنها، بسبب دفاعه عن فكرة أن البابا والمجمع الكنسي ليسا معصومين من الخطأ وأن المؤمن لا ينبغي أن يلتزم إلا بالكتاب المقدس2.
من هنا، ارتبطت حركة الإصلاح باسم مارتن لوثر الذي كان أول من أطلقها في ألمانيا وجوارها الاسكندينافي؛ لتؤسس كنائس دول مستقلة تماما عن البابوية المقيمة في روما. لكن »مارتن لوثر« لم يكن الوحيد الذي سار في هذا الاتجاه. فقد كان للمنشق الكبير الثاني »كالفن« الفضل الأكبر في انتشار أفكار الإصلاح الديني في سويسرا والأراضي الناطقة بالفرنسية وتوسعها نحو بولونيا وهنغاريا والجزر البريطانية التي ستشهد ولادة الكنيسة الإنجليكانية.
أعاد الإصلاح الديني بناء الممارسة الدينية للجماعة المسيحية على ثلاثة مستويات : - مستوى المؤسسة الكنسية، سواء ما تعلق بطريقة عملها أو موقعها في هذه الممارسة أو دورها في المصادقة على الإيمان، - ومستوى الفكر الذي كانت تستند إليه سلطة الكنيسة وسيطرتها ونفوذها، بما يشمله من اعتقادات دينية وفلسفة إيمانية أو لاهوت،- ومستوى الضمير الديني، أي إعادة تعريف معنى الإيمان ومستلزمات الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية، وإعادة الاعتبار للتجربة الدينية، بوصفها تجربة فردية مرتبطة بوعي المؤمن وإرادته وتطلعاته، أكثر مما هي فعل انتماء لجماعة وولاء جمعي أو عصبي لها.
فعلى المستوى الأول، التقت الحركات الاحتجاجية أو الانشقاقية جميعا -اللوثرية والكالفانية والإنجيلية، بالإضافة إلى بعض التيارات الأخرى الأقل أهمية مثل الأناباتية والتنورية- على مبدأ رفض الخضوع الأعمى للكنيسة، والانقياد من دون تساؤل أو تفكير لسلطة دينية كهنوتية تدعي الإلهام ولا تقبل أي جدال أو نقاش، وما بالك بالمشاركة فيها أو الرقابة على ممارساتها من قبل جمهور المؤمنين. وهذا هو المضمون العميق لإحلال لوثر -والفكر الاجتجاجي عموما- سلطة النص المقدس -أي الإنجيل- محل سلطة الكنيسة المطلقة. فتقديم النص على المؤسسة الكنسية؛ أي على سلطة الرهبان، يعني تغييرا في مفهوم الكنيسة، ومكانتها من العبادة وشؤون الدين، ودورها الاجتماعي، وأسلوب عملها وتعاملها مع جمهور المؤمنين وجماعتهم معا. هكذا ستفقد الكنيسة مركزيتها في التجربة الدينية كما سيفقد رجال الدين مقامهم الاستثنائي الأبوي والمقدس الذي يفصلهم عن الناس العاديين، ويميزهم عنهم في جوهر المعرفة والنفاذ إلى حقيقة الدين؛ ليتحولوا إلى رجال اختصاص فحسب، لا فرق بينهم وبين المؤمنين العاديين إلا في درجة التفقه بالدين، وهو ما يستطيع أي مؤمن أن يصل إليه بجهده الشخصي. وكما انهارت الفكرة التي تجعل من الكنيسة امتدادا للمسيح وتجسيدا لكلمته، انهارت أيضا الفكرة التي تنظر إلى رجل الدين بوصفه وريثا للمسيح وحائزا على قبس من قدسيته. وأصبح ينظر إلى هذا الأخير نظرة إنسان عادي، لا يستمد مكانته وقيمته من انتمائه إلى مؤسسة الكنيسة وخدمته فيها، أي إلى تماهيه معها، وإنما من عمله الصالح مع جماعة المؤمنين الآخرين. وبالمقدار نفسه الذي فقد فيه رجل الدين كراماته وصار ينطبق عليه الحكم ذاته الذي ينطبق على أي مؤمن عادي، انتفت الالتزامات والترتيبات الخاصة التي كانت لصيقة بصنف رجال الدين والتي كانت تحولهم إلى فئة خاصة مميزة عن الآخرين. من هنا سقط شرط العزوبية عنهم؛ بل أصبح الزواج شرطا من شروط الإيمان، بقدر ما يظهر الطبيعة العادية لرجال الدين ويقربهم بشكل أكبر من المؤمنين الذين يحتاجون إلى مساعدتهم في معرفة دينهم. وبفقدان رجال الدين مقامهم المقدس أو شبه المقدس فقدوا أيضا أهليتهم أو حقهم في العمل كوسيط بين المؤمن وربه من خلال الكنيسة أو من خارجها. وبمقدار ما أصبح الإيمان مرتبطا بالنص، المتاح لكل فرد استملاكا وفهما، لم يعد للكنيسة مكان مهم في تحقيق الإيمان وتحولت إلى مركز لتأمين الخدمات الاجتماعية والخيرية، أما الجماعة فقد خرجت من تحت سيطرتها وسيطرة رجالها لتسرح في الفضاء الواسع، وتكتشف وتبني في الوقت نفسه عالم المعاني والأخلاق والسياسة المدنية. وبهذا تحولت الكنيسة إلى مؤسسة من مؤسسات المجتمع بعد أن كانت المؤسسة/الجماعة التي تحل جميع الهويات والذاتيات الفردية لتكوين هوية وذاتية جمعية واحدة تحييها وتَحْيى فيها وتوجه حياتها. وبالمثل، لم يعد الإيمان عصبية جامعة، يستدعي التبعية والطاعة والإمّعية والامتثال لإرادة خارجية، ويتجلى في الانقياد والفناء في الجماعة الكنيسة أو المجسدة في الكنيسة الجامعة، وإنما أصبح ممارسة فردية. بمعنى آخر فقدت الجماعة الدينية هويتها التقليدية واستبدلتها بهوية جديدة تجعل منها رابطة بين مؤمنين مستقلين وأحرار متساوين في الحقوق والواجبات الدينية تماما، لا سلطان لأحد عليهم سوى سلطان الضمير3.
وليس هناك شك في أن تجريد رجال الكنيسة من صفتهم المقدسة، وحرمانهم من الرمزية التي يمثلها الانتماء إلى مقام منفصل عن مقام المؤمنين الآخرين، أي تحويلهم إلى بشر كغيرهم، لا تترتب عليهم واجبات في الإيمان مختلفة عما يترتب على إيمان غيرهم من الناس؛ قد وجه ضربة قوية للنظام الفكري والسياسي الأبوي (الكنسي الإقطاعي) القائم. وبهدم الحاجز الرمزي الفاصل بين رجل الدين والمؤمن العادي -فيما عدا الوظيفة أو الاختصاص- ضعفت القطيعة القديمة بين عالم الدين المقدس وعالم الدنيا المدنس، فلم يعد هناك معنى للفصل المطلق بين مجال الديني ومجال الدنيوي، وتمت مصالحة الدنيا مع الآخرة، والدين مع الحياة, وهو ما أدى إلى نشوء علاقة جديدة بينهما داخل الكنيسة وخارجها. فالمجمع الكنسي البروتستنتي الذي ينتخب قادة الكنيسة يضم أيضا ممثلين عن المناطق من غير رجال الدين، من أساتذة الجامعات والأطباء ورجال الأعمال وغيرهم. وهذا ما يفسر الصيغة الخاصة التي ستتخذها العلمانية في البلاد البروتستنتية، والتي لا تضع الدين في مواجهة مع العقل؛ ولكنها تسعى إلى التنسيق والتفاهم بينهما لتؤكد تكاملهما.
ومن الآثار المهمة أيضا لتهشيم مفهوم الكنيسة البابوية وتحرير المؤمنين من هيمنتها التاريخية، ومن التبعية العمياء لها، انقسام الكنيسة وفقدانها وحدتها وشمولها -أي عالميتها- إلى الأبد. ولذلك لن تتردد الحركات الاحتجاجية أو الإصلاحية التي انتشرت في معظم البقاع الأوروبية في إقامة كنائس وطنية خاصة بها، أي لن تتردد هذه الحركات في قبول تبعية الكنيسة المؤسسة للدولة الوطنية، وبالتالي إلى إظهار الولاء لهذه الدولة الوطنية، وبالتالي إلى القضاء على جميع نزوعاتها السيادية التقليدية الرامية إلى احتواء المجتمع والدولة على حد سواء.
وعلى المستوى الثاني، أدى تجريد الكنيسة -حتى البروتستنتية منها- من حقها في مراقبة سلوك المؤمن والمصادقة على إيمانه والتوسط له عند الله، وتخليها عن دور الوصاية الفكرية أو اللاهوتية على العقل، إلى تحرر الفكر المسيحي وإعادة بنائه على أسس، ومن منطلقات قطعت تماما مع الفكر الكنسي القرسطوي الجماعوي. وهو ما أطلق دينامية تجديد التفكير العقلي، بما في ذلك في مجال الدين، وشرع لمبدأ التعدد الذي سيتجلى من خلال التشكل المستمر -من دون عوائق ولا حدود- للجماعات والتيارات والفرق الدينية الجديدة والمتجددة .
ومما لا شك فيه أن نظرية الخلاص التي بلورتها الحركة الإصلاحية الدينية قد أسهمت إسهاما أساسيا في إعادة توجيه النشاط الديني وتحويل نظر المسيحيين عن الهوس الديني، النابع من الطمع في الجنة والعمل المستمر من أجل ضمان مكان مرموق فيها، وإطلاق التفكير بالعمل النافع على الأرض. ففي نظر المصلحين، لا يضمن عمل المؤمن ولا تطابق أعماله وسلوكه مع التعاليم الدينية أَيَّ حَقٍ في الخلاص، ولا يكفي للحصول عليه. ونعني بالخلاص نيل عفو الله ورضوانه وقبوله في الحياة الدنيا والآخرة. والخلاص منة من الله، يهبه لمن يشاء.
لا يعني هذا أنه لا فائدة من أن يتبع المرء التعاليم الدينية أو أن يقوم بالعمل الصالح، ولكنه يعني أن الخلاص لا يرتبط بذلك، وإنما هو رهن إرادة ربانية صرفة؛ إذ من الممكن أن يقوم المؤمن بكل ذلك من دون أن ينال الخلاص. مما يعني أن على المؤمن أن لا ينتظر مقابلا لقاء عمل الخير، أو بالأحرى ألاّ يعتقد أن عمل الخير هو المقابل للخلاص.
وقد كان هذا اليأس من الخلاص الأخروي، أو تعليق التفكير فيه هو أساس الانكفاء على الخلاص الأرضي وتنشيط العمل الدنيوي، حيث تتوقف النتائج على إرادة الفرد وجهده لا على إرادة خارجة عنه. فبقدر ما يعرف الإيمان المؤمن على نفسه بوصفه هبة الله وأثرا لفضله وجزء من كلمته، يشجعه على الخروج من ذاته نحو الآخر، والتعرف على الله أكثر فيه.
فالمؤمن الحقيقي لا يقوم بعمل الخير لشراء خلاصه الرباني؛ وإنما لاكتشاف نفسه كمخلوق إلهي، أي على إدراك ما استبطنه الله فيه من قيم الخير. فعمل الخير هو الكاشف عن حقيقته الإلهية العميقة. وإذا لم يبحث فيه عن خلاصه الأبدي وخلاص روحه في الآخرة فهو يحقق من خلاله انبعاثه الروحي. فكلما تمعن المؤمن في كلام الله زاد ثقة بربه، وإيمانا بنفسه، وبقدرته على التجدد والعمل والحياة. وتطلع بشكل أكبر إلى الاستزادة من كلام الله، مصدر انبعاثه، وانفتح أمامه أفق المشاركة في نشر كلمة الحق وتحقيق الوعد الإلهي.
ومن الممكن القول: إن الفكر المسيحي الجديد قد استبدل الإخلاص في العمل، والوفاء للآخر –الإنسان- الذي ينطوي على روح إلهية، ينبغي التواصل معها وبعثها عبر العمل الصالح والمسؤولية، بالطاعة العمياء التي كانت سائدة للكنيسة ورجال الدين. تماما كما حل سلطة النص والتعاليم الدينية -التي يمكن لكل مؤمن أن يستمدها منه لوحده ومن دون وسيط- محل سلطة الكنيسة ورجالها.
من هنا يوجز إريك فوش الأخلاق البروتستنتية في قيمتين: الاعتراف بالجميل لله، كجوهر فعل الإيمان، ثم المسؤولية أمام الآخرين كتعبير عن الانتماء للجماعة »الدينية« أو الإنسانية4. فبقدر ما يتحرر المؤمن من هَمِّ التأكيد المستمر على إيمانه، أو الخوف عليه نتيجة سوء الأعمال أو نقص العمل الصالح الضروري لخلاصه، تزيد ثقته بالعون الإلهي، ويصبح بإمكانه أن يكتشف معنى الأخلاق ويختبرها في الانفتاح على الآخر والإنصات له؛ فحب الله وحب الآخر هما وجهان لرسالة واحدة جوهرها المحبة والامتنان. وإذا كانت محبة الله تعني الحياة بكلامه؛ فإن محبة الآخر القريب تعني المسؤولية إزاءه ومعه؛ لبناء عالم جديد قائم على الخير والمحبة معا.
وهذا ما يشير إليه جان كالفان أيضا في تعريفه لمعنى المسؤولية. فلهذه عند المؤمن في نظره ثلاث صفات: التنسك، التفاؤل، والتدبير السليم. لا يعني التنسك التقشف؛ وإنما رفض الأنانية والحرص على التكافل والتضامن. أما التفاؤل فهو يشجع المرء على الاستمرار في بذل الجهد وعدم القنوط أو اليأس أمام ما يراه من شر في العالم. وبالمقابل يعني التدبير السليم المتعلق بالأشياء عدم الإفراط والتفريط. فالإفراط يدفع إلى البؤس وعدم التمتع بنعم الله، والتفريط يقود إلى الاستلاب وفقدان الحرية. هذا يعني أن خلاص المؤمن مرتبط بسلوكه وعمله، لا بأي شيء آخر، كنيسة كان أو رجل كرامات. وإنما تنفع الكنيسة في إبراز تضامن المؤمنين، لا من أجل كفالة خلاصهم5.
أما على مستوى التجربة الدينية، أو الفردية، فمن الواضح أن تحرير المؤمن من سلطة الكنيسة ووصاية رجال الدين عزز التجربة الدينية الشخصية، ووجه النشاط فيها نحو ضمير المؤمن كفرد وسلوكه واختياراته ونشاطه؛ أي نحو مبادرته الخاصة. وهذا هو مضمون فكرة انبعاث المؤمن، من حيث هو ذات حرة ومريدة وواعية أيضا6. وبدل التفكير الدائم بالآخرة، أصبح التقرب من الله يمر عبر التقرب من الإنسان، أي عبر إعادة بناء علاقات الأخوة والثقة والتضامن، والتمسك بالعمل الصالح بوصفه جهدا متجها نحو الإنسان، وقائما على المسؤولية وتحقيق العدالة والأخوة على الأرض وتجاه الجماعة الإنسانية. وبقدر ما نقل الإصلاح الديني مركز ثقل الإيمان من الكنيسة -التي كانت تستقطب كل العواطف والاستثمارات الروحية بوصفها الوصية الوحيدة على الإيمان والضامنة بالتالي للخلاص- إلى جماعة المؤمنين بوصفها تجليا من تجليات الخير الإلهي، وجه نشاط المؤمنين نحو عمل الخير على مثال ما نسميه نحن : الدين المعاملة. فصار الاستثمار في الإنسان كفرد وبناء شخصيته -أي وعيه وضميره وسلوكه- محور نشاط الكنيسة المصلحة ورجال الدين، ومصدر تجديد في الفكر وفي العلاقات الاجتماعية أيضا.
ولهذا -بعكس الظاهر- أضعف الإصلاح الديني -إلى درجة كبيرة- من سيطرة الكنيسة وسلطة رجالها؛ لكنه لم يضعف من مكانة الدين وموقعه في المجتمع، بل زاد في نفوذه، ووسّع من دائرة نشاطه داخل المؤسسات الاجتماعية، بما في ذلك النشاطات الاقتصادية، وذلك بقدر ما أنسنه، أي كيّف مفاهيمه التيوقراطية القديمة مع حاجات تحرر الفرد وانعتاق مبادرته. وهذا ما أظهره عالم الاجتماع الألماني الشهير ماكس فيبر في تحليله لنشوء الروح الاستثمارية عند أصحاب المشاريع الرأسمالية. وفي الولايات المتحدة يلعب الدين اليوم دورا أكبر في توجيه سلوك الأفراد وبناء العلاقات الاجتماعية مما هو الحال في البلاد الكاثوليكية التي بقي فيها الإصلاح ضعيفا فيما يتعلق بالمؤسسة الكنسية، وبقي فيها التمييز واضحا ودقيقا بين عالم الديني المقدس وعالم الدنيوي الحر.
يمكن القول: إن ما قام به الإصلاح الديني هو دمقرطة الحياة الدينية، سواء من حيث كسر طوق الوصاية الكنسية أو من حيث تحرير الفرد من التبعية في إيمانه وربطه مباشرة بالنص وبعمل الخير المعتلق به وحده. وبالرغم من أن الإصلاح المضاد الذي قامت به الكنيسة الكاثوليكية للرد على حركات الاحتجاج التحررية والحد من انتشارها، لم يبلغ هذه الدرجة من الدمقرطة الدينية، إلا أنه لم يبق غريبا عما أحدثه الإصلاح البروتستنتي من تجديد في القيم واتجاهات التفكير والتوجهات النفسية العميقة للمؤمنين ومعنى الإيمان أيضا. ففي سعيها إلى رد التحدي البروتستنتي، اضطرت الكنيسة البابوية إلى التنازل عن الكثير من أدوات سيطرتها ووصاية رجال الدين على سلوك المؤمن وتوجيهه. وقبلت بإعادة التوازن داخل التجربة الدينية للفرد، بحيث يكون الدين نشاطا إراديا يعكس شعور الفرد قبل أن يكون عبادة وطقوسا موجهة لتأكيد الولاء للكنيسة والخضوع لها. كما اكتشف قادة الكنيسة البابوية في حربهم ضد المحتجين الأهمية القصوى للتكوين الفكري والأخلاقي لرجال الدين وللمؤمنين معا. وهنا أيضا أدى التحرر من هم الخلاص الأخروي المستبد بالمؤمنين إلى تشجيع التأمل بشكل أكبر في نظام الحياة الدنيوية، وتحسين شروط وجود الإنسان على الأرض داخل جماعته الدينية وفي علاقته مع أصحاب الأديان الأخرى.
3
كان من الطبيعي أن تفضي حركة الاحتجاج على الكنيسة الكاثوليكية والتمرد عليها -في البلدان الأوروبية التي حصلت فيها- إلى نشوء حركات احتجاج واعتراض مماثل على السلطات المطلقة القائمة. فكما صار من الواجب أن تحترم سلطة الكنيسة قناعات المؤمن وما يفرضه عليه ضميره، أصبح من الواجب أيضا أن تحترم السلطة السياسية اختيارات الأفراد وقناعاتهم. وحركة بعث الذات كوعي وإرادة واختيار -بما عنته من تحرر من سلطة الكنيسة الوصائية- هي ذاتها التي ستغذي حركة التحرر من سلطة الأمراء والسادة الإقطاعيين والملوك الاستبدادية. لذلك ليس من المصادفة أن يكون الهوغنوت البروتستانت هم أول من وجه النقد اللاذع للملكية الفرنسية المطلقة. وقد تبعهم في ذلك -بعد عدة عقود- التطهريون الإنجليز، ثم نظراؤهم الأمريكيون الذين أسسوا أول نظم ديمقراطية تحترم حرية الاعتقاد والرأي وتضمن حقوق الأفراد الأساسية.
من هنا، ليس من المبالغة القول: إن الإصلاح الديني -في تأكيده على فكرة المسؤولية الفردية ، وإحيائه للضمير الأخلاقي، وتوجيهه المؤمن في عمل الخير نحو تحقيق التواصل بين الأفراد، لا نحو طلب الخلاص الذي تركه بيد الله وحده- كان بمثابة ثورة داخل الفكر الديني أرست هي نفسها بذور الثورة السياسية اللاحقة. ولا شك أن صيغ التنظيم التي عرفتها الكنائس البروتستنتية -والتي يشارك فيها مدنيون جنبا إلى جنب مع رجال دين، وتقوم على انتخابات تمثيلية للمحلات والمناطق- قد قدمت نموذجا جديدا لإدارة الشؤون العامة7.
لم يكن ما حصل، إذن -بالرغم من مظاهر الاستمرارية- تحولا بسيطا في منحى التفكير الديني؛ وإنما تغييرا عميقا، أعاد تأويل الدين من وجهة نظر عَقَديّة جديدة ومستقله عنه تماما، وكيّفه مع مفاهيم النزعة الإنسانية وقيمها. وليس من المبالغة الحديث عن الإصلاح بوصفه مرحلة انتقالية نحو ولادة دين جديد على أنقاض دين الكنيسة وفي معطفها، هو دين الإنسان، بما يعنيه من الإيمان المتزايد بأن الإنسان مركز الكون ومعناه، وأن تربية الإنسان وترقية مواهبه وتحسين شروط وجوده على الأرض غاية النظام الاجتماعي ومؤسساته المختلفة، بما فيها الكنيسة. ولم تنجح الكنيسة في الاحتفاظ بوجودها والدفاع عن المسيحية إلا بقدر ما عملت على استيعاب قيم الدين الجديد وتمثلها وجعلها جزءا من اعتقاداتها، أي إلا بقدر ما جعلت هي أيضا محور نشاطها ومركز اهتمامها حياة الإنسان ومصيره. فتحولت من مركز تجريد الأفراد من شخصيتهم -بما تعنيه الشخصية من وعي وإرادة حرين، كشرط لقبولهم من قِبَل الله وخلاصهم- إلى مركز لبناء دين احترام الإنسان وتكريمه بوصفه آية من آيات الله، والإسهام في تكوين وعيه وضميره وشعوره، كشرط لضمان خلاصه على الأرض ومواجهة حياة الألم والشر والخطيئة، التي كفت عن أن تكون قدرا إلهيا لتصبح ثمرة جهل الإنسان وسوء فهمه وتنظيمه.
ولعل هذا ما دفع المؤرخين إلى الربط بين حركة الإصلاح الديني وتطور الروح العصرانية أو الدنيوية. وهذه هي مفارقة هذا الإصلاح. فقد حدث إحياء الإيمان بموازاة إعادة الاعتبار للإنسان، أو من خلال إعادة توجيه النشاط الديني نحو الإنسان، تكريما وتأهيلا وتضامنا، والاعتراف بجدارته وأهليته الأخلاقية والمعرفية بعد استلاب طويل. وبعد أن جعلت الكنيسة من هذا الإنسان إمَّعَةً تقاد حتى إلى الجنة بالسلاسل، وتكبل بالقيود كي لا تقع في الخطيئة، قَبِلَ الفكر الجديد المراهنة عليه كمخلوق قادر على المحاكمة السليمة والتفكير الناجع والإيمان الحر والمستقل. هكذا أصبح حب الإنسان كإنسان، وتربيته والعمل معه وإلى جانبه، وتأكيد الثقة بمقدراته وأهليته، وتعزيز صورته أمام نفسه، بديلا عن مقاضاته أمام الإنجيل وتكبيله بمعاني الخطيئة الأصلية وهَمِّ الخلاص الصعب بل المستحيل.
وكما أنه لا توجد علاقة حقيقية بين مسيحية ما بعد الإصلاح ومسيحية ما قبله، ليس هناك أيضا علاقة تذكر بين النموذج الذي سوده الإصلاح لعلاقة الدين والسياسة وذاك الذي ساد في القرون السابقة تحت إشراف الكنيسة البابوية. فقد أعادت الثورة التي حصلت داخل الكنيسة في القرن السادس عشر بناء هذه العلاقة على أسس جديدة، بقدر ما أعادت بناء مفهوم الدين نفسه ومعنى العبادة والتقرب من الله والاستجابة لندائه. وعلى أثرها تحول التدين من فِعْل تماهٍ مع الجماعة، أي من عصبية جماعية، وهوية طائفية، إلى فعل إيمان فردي ومصدر قيم أخلاقية محورها التأكيد على صلاح عمل الإنسان. كما ظهرت الكنائس الوطنية، وحصل الاعتراف بسيادة الدولة ومركزيتها في تنظيم الشؤون العمومية مقابل الكنيسة التي أصبحت رابطة للمؤمنين تعنى بتربيتهم وتهذيبهم. ومن المؤكد أن هذه الثورة لم تحصل من فراغ، وإنما كانت هي نفسها جزءا من إرهاصات النهضة الأوروبية، التي انطلقت من إيطاليا منذ القرن الخامس عشر، تحت تأثير الانبعاث الفكري والأدبي الناجم عن العودة إلى الإرث الفلسفي والفكري اليوناني والروماني القديم، وتنامي النزعة الإنسانية، وتطور التجربة العلمية وانتشار حركة الاكتشافات الجغرافية الكبرى، والقارة الأمريكية بشكل خاص، وفي أثر ذلك نشوء الإمبراطوريات التجارية، على أرضية تفكك النظام الإقطاعي الاقتصادي والاجتماعي القديم نفسه. بيد أن انتصارها أسهم أيضا في تعزيز حركة النهضة والانبعاث الفكري والاجتماعي والسياسي بمقدار ما عمل على مصالحة الدين والدنيا والكنيسة والدولة والجماعة والفرد.
لكن ما أنجزته حركة الإصلاح الديني من إعادة الاعتبار للإنسان سيتحول هو نفسه إلى خميرة لتحولات عميقة لاحقة داخل نظام المجتمع، وعلى مستويات نشاطاته المختلفة، السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية. تماما كما كانت هذه الحركة نفسها جزءا من عملية تحول مستمرة وشاملة، ومحاولة من قبل الهيئة الدينية للتكيف مع معطيات العصر والتفاعل مع القوى والديناميكيات الجديدة داخل المجتمعات الخارجة من الحقبة الإقطاعية. وليس من قبيل الصدفة أن يكون موطن النهضة أو الحركة الأولى على طريق التغيير إيطاليا التجارية، كما ليس من قبيل الصدفة أن تأتي حركة الإصلاح الديني في المناطق الأوروبية الإقطاعية في عباءة ثورة فلاحية حطمت القوقعة الفكرية والسياسية الرئيسة التي كفلت خلال قرون مشاريع الإخضاع والإكراه والسخرة وأضفت عليها الشرعية. وليس هناك شك في أنه ما كان لحركة الإصلاح الديني أن تتطور وتنجح لولا العمل التمهيدي الكبير الذي قام به فنانو عصر النهضة ومفكروها. فقد كان لتراكم المعرفة الجديدة وانتشار القيم الإنسية التي ارتبطت بها وبناء توجهات أكثر إيجابية تجاه قدرة الإنسان ومسؤوليته على الأرض، أثر كبير على تبلور الفكر الإصلاحي الديني، سواء فيما تعلق برفض وساطة الكنيسة ووصايتها أو فيما يتعلق بتأكيد مسؤولية الفرد الدينية والاجتماعية. تماما كما سيكون لتطور المؤسسات الجديدة: العلمية والطبية والاقتصادية والاجتماعية التي سترافق إرهاصات المجتمع الصناعي، من جامعات ومشافي ومرافق عامة، أثر كبير على تراجع الرهان على الكنيسة وما تمثله من سلطة غيبية في إيجاد حلول لمشاكل المجتمعات. وبالعكس، في هذه البيئة الفكرية والسياسية والاجتماعية الجديدة ستبرز الدولة كفاعل مركزي وعمومي، إجرائي، لتحقيق قيم دين الإنسان الجديد ورعاية مصالحه.
4
باختصار، لم تكن حركات الاحتجاج الدينية ضد فساد السلطة الكنسية منفصلة عن حركات التمرد الاجتماعي ضد السلطة الإقطاعية الممثلة بسلطة الأمراء والملوك الطغاة معا. وما كان من الممكن للتيارات الإصلاحية المسيحية أن تكسب المعركة وتحقق أهدافها من دون انضمام الفلاحين وتفانيهم في القتال إلى جانب دعاة الإصلاح وقادته. وبالمثل لم تكن الفلسفات السياسية الهادفة إلى تغيير قواعد الحكم والممارسة السياسية وفرض الاعتراف بحقوق المواطن وحريات الأفراد في مواجه سلطة الملوك والأمراء الإقطاعيين وضد إرادتهم، بعيدة هي أيضاً عن حركات العصيان المدنية.
هكذا -كما ذكرت أعلاه- ستكمِّل الثورةُ السياسية على السلطة المطلقة -تاريخيا وفكريا- الثورةَ الدينية على الوصاية البابوية على الضمير، وتعملان معا على توليد ديناميكية التحول في الوعي والممارسة السياسية. ومن تفاعل عناصرهما، ونجاحهما في توحيد قاعدة اجتماعية عريضة تضم قطاعات واسعة من الفلاحين والطبقات الوسطى الصاعدة والبرجوازية والفئات الشعبية المدينية، سوف تولد شيئا فشيئا عناصر التركيبة الجديدة للنظام الحديث، نظام الدولة الأمة، الجمهورية والديمقراطية فيما بعد، وما يمثله من غايات وقواعد عمل وأهداف وقيم اجتماعية تكاد تمثل الوجه المناقض تماما لما مثلته النظم الأرستقراطية التقليدية التي حكمت تحت إشراف الكنيسة وتأييدها. وفي سياق هذا التحول التاريخي الطويل والمستمر، سوف تنقلب العلاقة نهائيا بين الكنيسة ومجتمع العامة. وسيبرز عالم العامة من المؤمنين، الذي كانت الكنيسة تعامله كنموذج للقصور والضلال الأكيد، وتنظر إليه باحتقار على أن وجوده وخلاصه وشرعية عمله وصلاحه يتوقف كله على الكنيسة وبركتها الإلهية، باعتباره عالم الفضيلة والواجب الأخلاقي والقوة العسكرية والمعرفة العلمية والازدهار الاقتصادي والدولة القانونية، دولة المواطنة والحرية والحقوق المتساوية، عالم التقدم التاريخي في مقابل عالم الجمود والفساد والغش والخرافة.
ستتبلور توازنات النظام الجديد من حول السياسة والدولة، مثلما تبلورت توازنات النظام القديم الوسيطي حول الدين والكنيسة الراعية له. وستجد الدولة نفسها في صراع دائم مع الكنيسة، بوصفها مركز نفوذ يتعارض مع برنامج تحرير الإنسان الذي تمثله وتريد تحقيقه. ومع نشوء الدولة الحديثة وتطور مفاهيم الأمة بوصفها رابطة سياسية تجمع بين الأفراد، بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية، وتحولها إلى مؤسسة مركزية لرعاية الشؤون الجماعية، ستتطور البنية التحتية التي ستقلص عمليا وموضوعيا من نفوذ الكنيسة وسلطتها القديمة، وتفرض بشكل متزايد منطق العمل مع العصر وخدمة الحياة الدنيا على حساب منطق العمل للحياة الآخرة. وستحتل المؤسسات المدنية -في التعليم والتنظيم والإدارة والخدمة المدنية والرعاية الصحية؛ بل في الأعمال الخيرية- مكانة مركزية متزايدة بالمقارنة مع المؤسسات المماثلة التي كانت ترعاها الكنيسة أو الهيئات الدينية في التعليم والتطبيب والتضامن بين الأفراد. وستظهر إلى جانب الدين منظومات جديدة تعكس هذا التطور وتعمقه أولها -من دون شك- منظومة السياسة، وما سيرتبط بها من ابتداع آليات جديدة لممارسة السلطة، تفترض مشاركة الأفراد، وبالتالي استقلالهم في الرأي وانخراطهم في حمل المسؤولية، وظهور مدونات قانونية مرتبطة بالدولة الحديثة وممارستها، متميزة في هدفها ووظيفتها وأسلوب إنتاجها عن المدونات الفقهية التقليدية المعروفة.
من الطبيعي أن يفرض تحقيق برنامج الدولة هذا رؤية جديدة لتوزيع المجال العام بين الكنيسة ومؤسسات المجتمع السياسية والمدنية الأخرى، وفيما وراء ذلك إعادة توزيع الصلاحيات والسلطات المدنية والسياسية والدينية، وإعادة تعريفها وتحديد ميدان ممارستها وعلاقتها بالسلطات والصلاحيات الأخرى. وليس للعصرنة -كما سوف تتحقق في المجتمعات الأوروبية أولا، ثم في عموم المجتمعات فيما بعد- محرك آخر سوى تقدم معايير الحياة الطبيعية وحساباتها، أي أولوياتها، على معايير الحياة الأخروية وحسابات الكنيسة وبرنامج عملها وأولويات اهتمامها أيضا. وهو ما يعني إعادة توجيه اهتمام المجتمعات وهمومها نحو تنظيم الحياة الدنيا، وعلى أسس مفهومة ومعروفة وقابلة للنقاش، أي خاضعة للمحاكمة العقلية، بعد أن كان موجها خلال قرون سابقة من سيطرة الدين الكلية، نحو ضمان الخلاص في الحياة الأخروية، مما ركز نشاطات المجتمعات التقليدية وتفكيرها -إلى حد كبير- على مسألة الخلاص الروحي والإعداد للحياة الخالدة ويوم الحساب الأخير على حساب السعادة الدنيوية8.
فكما كانت الكنيسة هي التي تصوغ أجندة المجتمع أو الجماعة الدينية من حيث هي بالأساس أجندة تيسير الخلاص وتأمين المصير الأخروي، وتضمن من خلال ذلك استقرار هيمنتها على الجماعة وسيطرتها عليها، سوف تتبنى الدولة أجندة الخلاص الأرضي. وفي مقابل التأكيد على ضرورة تركيز الجهد عند المؤمن على عمل الخير المطابق لما تطلبه الكنسية وتحويل الإيمان نفسه إلى طاعة للكنيسة ورجال الدين، سوف تؤكد الروح العصرية -أي المساوقة للعصر والعيش في المكان والزمان الحاضرين، لا في الماضي ولا في المستقبل الغيبي- على ضرورة تركيز الجهد على عمل كل ما من شأنه أن يحسن شروط حياة الفرد على الأرض، بصرف النظر عما إذا ضمن ذلك خلاصه في الآخرة أم لا، بل من دون التفكير بهذا الخلاص الأخير، وبالتالي على الاستثمار في المجتمع نفسه وفي العمل، وفي التهذيب والتربية والتعليم والإعداد والإنشاء والتأسيس.
وهذه الأجندة الدنيوية الجديدة التي أخذت تتبلور معالمها في حضن المجتمعات هي التي سوف تقود شيئا فشيئا إلى تغيير أخلاقيات الناس، أي نمط تطلعاتهم واهتماماتهم، وتبدل نوعية آمالهم وأحلامهم. ومنذ الآن أصبح التقدم في تحسين شروط الحياة على الأرض، وبالتالي في ممارسة الحياة نفسها، من حيث الغنى والشدة والنشاط والإنتاج والإبداع والتواصل والمشاركة، هو مصدر المعني الرئيس ومنبعه بالنسبة للإنسان، فهو أساس سعادته وتقديره لنفسه وتقدير الآخرين له. وفي سياق تحول الحياة نفسها إلى تجربة حية تستحق العيش والتأمل والتعميق، وبسببها سوف تنشأ تصورات جديدة لتنظيم الحياة المجتمعية وبناء النظم المدنية والإدارية والسياسية. وستبرز الدولة بوصفها المؤسسة المركزية التي من شأنها أن تنسق بين مؤسسات المجتمع المختلفة وتنظم سبل التعامل بينها، لصالح تحسين الحياة وتطويرها وإغنائها. وسوف تدخل الدولة في منافسة مع الكنيسة المسيطرة على وظائف التنسيق والتنظيم نفسها، وتتأكد مكانتها ودورها ووظائفها بانتظام واضطراد في مواجهة الكنيسة المتراجعة إلى مستوى مؤسسة خاصة، وتحل كليا محلها في تنظيم الحياة المجتمعية، الجمعية والفردية. بل سوف تنشأ الدولة الحديثة التي ينظر إليها الناس بمثابة وسيلة لتنظيم الحياة على الأرض مقابل الكنيسة التي تركوا لها مهمة العناية بتحقيق شروط خلاصهم الأخروي أو تنظيم شؤون العبادة وطقوس الولادة والوفاة المرتبطة بخلاص الروح.
ليس لهذه الدولة الجديدة المتوجهة نحو تنظيم حياة الأفراد ومراكمة الحقوق والمكتسبات المادية والمعنوية التي تغني حياتهم على الأرض وتجعل منها حياة ذات معنى، بل مصدر الرضى عن النفس والتحقيق والإنجاز الذاتي، أي علاقة بالسلطنة القرسطوية التي كانت مؤسسة خاصة تعنى بشؤون الملك وحاشيته وحلفائه الإقطاعيين والأرستقراطيين وتعمل -من أجل تأمين مصدر شرعية لها- بمثابة أداة في يد الكنيسة ووسيلة لها لتحقيق الانتصار للدعوة الدينية ونشر رسالة المسيح وكسر أعدائه في الأرض. فهي منذ الآن دولة مدنية ذات رسالة أرضية أو دنيوية فحسب، يتقدم مفهومها وممارستها بموازاة تبدل أخلاقيات الناس واهتماماتهم وتساؤلاتهم أيضا حول أفضل السبل لبناء النظام الاجتماعي وممارسة السلطة العمومية، وتطور اكتشافاتهم ونظرياتهم ومحاكماتهم وأفكارهم السياسية حول الأسس القانونية والشرعية، وطبيعة السلطة السياسية وأنماطها، والتمييز بين السلطة المطلقة والسلطة الدستورية، والجمهورية والملكية، وهو ما قاد فيما بعد إلى الثورة الدستورية ومفهوم المواطنة وحقوق المواطن والإنسان، مما أصبح اليوم مادة لعلوم إنسانية تدرس على مستوى العالم أجمع.
في سياق هذا التبدل وكثمرة له، لم تعد الكنيسة الفاعل الأول في المجتمع، قلبه وعقله ولسانه، كما بقيت خلال قرون، ولكنها وجدت أمامها قوة مؤسسية جديدة تنمو وتزاحمها على موقعها ومكانتها ونفوذها. وهو ما دفعها إلى خوض معارك دفاعية مستمرة للحفاظ على أملاكها، وهي في الواقع المجتمع والأرض والسماء معا - أي السيطرة على القلوب والأذهان، والسهر على تنظيم المجتمع وصوغ العلاقات الاجتماعية، والتحكم الكامل بالقوة الرمزية بما تعنيه من منبع للمعنى والقيمة والذوق معا - كانت نتيجتها الخسارة الكاملة، والانطواء على مجال العبادة والصلوات. فبالرغم من كل ما تتمتع به الكنيسة الكاثوليكية اليوم من نفوذ بسبب عطالة التاريخ وأحيانا الحسابات والعلاقات السياسية لبعض رجالاتها الكبار، لم تعد تمثل في مخيلة المجتمعات الغربية شيئا كثيرا، بالرغم من استمرار الإيمان كفعل ولاء وانتماء ذاتي. ويتلاشى دورها مع تراجع فكرة الخلاص الأخروي والحلم به، وتزايد انخراط الناس في الحياة الحاضرة، واقتناعهم بقيمة السعادة الأرضية أو الدنيوية التي لا يبادلون بها -في غالبيتهم الساحقة- أي خلاص أخروي موعود. واقتصرت نشاطات الكنيسة الدينية على رعاية شؤون المنتمين لها من سلك رجال الدين وإدارة مشاريعهم المادية أو الروحية. ومن سنحت له الفرصة لزيارة بعض المراكز الدينية الكبرى من أديرة أو رهبانيات سيفاجأ برتابة حياة الرهبان وفقرها الروحي وتكراريتها المملة. إنها التعبير الأمثل عن العوالم المغلقة التي تفتقر للأفق والأمل معا، والتي تجمع بين نفوس قلقة ومشردة يسيطر عليها رجال سلطة وسيطرة بالمعنى الحرفي للكملة. حتى ليكاد المرء يعتقد أن الكنيسة قد فقدت روحها وأبهتها وبريقها الماضي، وتحولت إلى مأوى للعجزة الروحيين والماديين معا. فصارت تثير الشفقة أكثر مما تبعث على الأمل أو توحي بإمكانية الخلاص من أي نوع كان.
لم يقتصر هذا الانقلاب التاريخي على مركزية السلطة الكهنوتية لصالح سلطة الدولة وقانونها السياسي على أوروبة والغرب عموما؛ ولكنه سيحدث في جميع بقاع العالم الأخرى، ولو في وقت لاحق وفي صور معدلة اتخذت شكل العصرنة وبروز الأيديولوجيات والأفكار العصرانية. والسبب أن الهيئة الدينية لم تكن تتمتع بالنفوذ الذي كانت تتمتع به الكنيسة الكاثوليكية، كما أن الدولة لم تكن في معظم قارات آسيا وأفريقيا والعالم الإسلامي قد محيت لصالح الكنيسة أو سلطة رجال الدين وبقيت حية وفاعلة في الحياة الاجتماعية. وفي الأماكن التي كانت تعرضت فيها للتفكك غالبا ما جاء ذلك لصالح دول أخرى استعمارية أو محيطة أو عودة العصبيات القبلية والطائفية وتنازعها الدائم. لذلك جاء رد الفعل على الفوضى والترهل والتقادم في الممارسة الدينية والدنيوية معا من طرف النخب السياسية والبيرقراطية الحاكمة. واستندت هذه النخب التحديثية إلى الجناح المتنور الذي برز أيضا داخل صفوف النخبة الدينية. وكان هدفها تعزيز مكانة الدولة وتقوية سلطتها تجاه نزعات الهيمنة الخارجية، وبالمناسبة ذاتها، الحفاظ على وحدة المجتمع وحمايته من مخاطر التفكك والانقسام الناجمة عن انخراطه في مسار حداثة لا يملك بعد أدوات السيطرة الفكرية والسياسية والقانونية عليها.
لكن لن يعمل إحياء سلطة الدولة وتعزيزها -بما في ذلك ما سوف تقوم به من إصلاح ديني سيحرم الهيئة الدينية من الكثير من نفوذها ومواقعها التقليدية التي حفظتها لها الأنماط القرسطوية من الحكم- إلا على تعميق الاختلال في ميزان القوة بين المجتمع والدولة، أو السلطة المركزية، أي بين دولة تزداد تحديثا ومقدرة على التدخل والمبادرة يوما عن يوم، ومجتمع يفقد وزنه أكثر فأكثر ويزاح إلى الهامش بسبب افتقاره إلى وسائل التكيف الفكري والسياسي معها. وفي ثنايا هذه القطيعة المتزايد بين دولة تتحدث بسرعة ومجتمع يلهث وراءها، سوف تبرز قطيعة دينية موازية، بين دين الامتثالية السياسية الذي يسمح بالتكيف مع النظام الجديد، ودين الاحتجاجية الاجتماعية الذي ينزع إلى أن يكون محور التحام وربط وتشبيك ما عمل جهاز الدولة الحديث على حله وتفكيكه من وشائج قربى وعلاقات اجتماعية.
من هنا -مع بعض التحفظات- يكاد وضع المجتمعات الإسلامية الحديثة يُظهر -في علاقتها مع الدين وعلاقة الدين بالسياسة والدولة فيها- مسارا معكوسا لما حصل في حضن المجتمعات الغربية المسيحية منذ القرن السادس عشر. فقد كانت حقبة السيطرة الدينية الإسلامية الوسيطة حقبة بناء الإمبراطورية وتأكيد استقلالية الدولة والسلطان، وتأكيد مدنية رجل الدين أو بعده عن القداسة. كما كانت حقبة التمييز الواضح بين صلاحيات رجل الدولة وصلاحيات رجل الدين، بموازاة تمايز العلوم العقلية عن العلوم الدينية واستقلالها عنها. ومن هنا، وُسم العصر الإسلامي الوسيط بعصر الازدهار والتنوير، بينما وُسمت القرون الوسطى الأوربية بعصر الظلمات الذي اختلط فيه الاستلاب الديني النابع من طغيان الكنيسة والفكر اللاهوتي، بالاستلاب السياسي المرتبط بضعف الدول الملكية، ونزاعات الملوك والأمراء المتواصلة وهشاشة سلطاتهم، وبالاستلاب الاقتصادي والاجتماعي الناشئ عن غياب الإبداع والاكتشاف، ونقص المعارف، وسيطرة الجهل والأمية، ونقص التربية والتهذيب المدني والأخلاقي.
ولا شك أن السبب الرئيس لهذا الازدهار العلمي والسياسي والاقتصادي الذي وسم العصر الإسلامي الكلاسيكي كان انتصار الدولة، حتى في صيغتها السلطانية، على الكنيسة أو على احتمال نشوء كنيسة إسلامية، بما تعنيه من سلطة دينية مركزية ومنظمة تحتكر الشرعية في القول والعمل في كافة مجالات الحياة، وتفرض على الفرد -أينما كان ومهما كانت مرتبته ووظيفته- التقيد بتعليماتها والرجوع إليها في كل ما يفعله ويقوله. إنه باختصار حسم المعركة التي نشأت داخل الجماعة الدينية الأولى، أي جماعة الخلافة ودولة الخلافة، لصالح الملكية العضوض؛ أي الزمنية، وإجبار الصحابة أو قسم كبير منهم -ممن كانوا يطمحون إلى أن يكونوا قيمين على تراث الدين وتفسيره وتأويله- على الخضوع والقبول بموقع السلطة الثانية، التابعة للدولة والعاملة في ظلها، بدل أن تكون وصية عليها أو بديلا لها.
وهكذا نشأ في تاريخ الإسلام منذ البداية نمط من العلاقة بين السلطة الدينية والسلطة الزمنية يشبه كثيرا ما هو قائم اليوم في الدول ذات الأغلبية البروتستنتية، وإن كان بكيفيات مختلفة. وربما كان أفضل نموذج لهذا النمط هو السلطنة العثمانية التي كانت أكبر وأطول دولة عرفها تاريخ الإسلام. وفي هذا النمط تمثل السلطة السياسية أو السلطان قمة هرم السلطة ومرجعها الوحيد في كل المجالات، لكن من دون أن تحرم السلطة الدينية من مجالها الخاص، أو تفرض عليها أجندتها أو قواعد عملها.
وقد ترافق العمران الإسلامي بنشوء تقاليد ثابتة في بناء حقل الفضاء العام، وتحديد الصلاحيات الخاصة بعلماء الدين ورجال الحكم ومجال عمل كل منهم ونفوذه، فاختص الصنف الأول بالمسائل الدينية والفقهية منها بشكل خاص، واختصت الفئة الثانية من الملوك والسلاطين ورجال الحكم باحتكار مجالات السلطة والقوانين أو المسارات الإجرائية المرتبطة بها، وقرارات الحرب والسلام، وسياسات المال والاقتصاد، وكل ما يتعلق بميدان السيادة. هذا ما تشير إليه حالة القضاء الذي كان مسؤولية سياسية يختص بها رجال الحكم، حتى لو انتقوا القضاة من بين الفقهاء وعلماء الدين.
وهكذا تعايشت السلطة الدينية مع السلطة الزمنية على أرضية سيادة الثانية، ونشأ نتيجة ذلك تفسير وتأويل للدين مختلفان تماما عما عرفته المسيحية البابوية، يقوم على التسامح مع التعددية المذهبية وتجنب التكفير والتجريم، والقبول بالاختلاف في التأويل والتفسير لنصوص الدين وللقرآن نفسه. وهذا ما يعبر عنه مفهوم الاجتهاد الذي يجعل من العقل شريكا في فهم النص وتأويله، بل شرطا لهذا الفهم، ملغيا بذلك كل شرعية محتملة لسلطة لدنية ملهمة تملك بالسليقة التأويل الصحيح للنص، كما يعبر عنها مفهوم العصمة البابوية وأحادية الرأي التي تمثلها. وقد أتاح هذا المناخ الليبرالي في العصر الكلاسيكي للإسلام نشوء فسحات من الحرية والانعتاق لم تعرفها المجتمعات المسيحية في القرون الوسطى، عمقت عند المؤمن شعورا بالمقدرة على المبادرة والمغامرة من دون خوف. وبدل أن يكون الإيمان دافعا لليأس والشك والقلق، وباعثا على حب التزهد والانسحاب من الدنيا والانكفاء على الأديرة وبيوت العبادة، أو مفضيا إلى التسليم بالقدر، صار مناسبة لبعث الثقة بالنفس التي تدرك أنها ليست مرمية وحيدة في الفراغ وإنما تعمل تحت عناية ربانية وتأييد إلهي. وقد أطلق هذا التأويل طاقات الأفراد، وأعطى للوجود على الأرض وللحياة الدنيا قيمة ومكانة مهمة في نظر الناس، فصار من مبادئ الإسلام رعاية شؤون الدنيا والآخرة، وأصبحت العناية بالحياة الدنيا -بالجسد والعقل معا، كما أصبح البحث عن السعادة والمتعة الدنيوية- قيمة أخلاقية أو جزءا من التربية الإسلامية، على حسب ما جاء في الحديث الشريف: فأعطِ كلَّ ذي حق حقه.
باختصار لم تلغ التطلعات الروحية أو الدينية -رغم أهميتها، وربما عند الكثيرين أسبقيتها، أو هذا ما نفهمه مما بقي من تراث تلك الحقبة الأدبي والتاريخي- متطلبات الحياة الدنيا ولا متعها ولذائذها، وبالتالي لم تَحُدَّ من نزوع الأفراد وطموحهم إلى العمل والإنتاج ومراكمة الثروات والتمتع بها، ومن ثم من توسيع دائرة الإنتاج والاكتشاف والإبداع المطلوب لتحقيق ذلك. هذا هو الإطار الفكري والسياسي، الديني والعقلي، الذي أتاح الازدهار المهني والعلمي والتقني والفكري والفني والديني أيضا للمنطقة الإسلامية كما يشير إليه تطور العلوم الدينية المختلفة في العصر الوسيط. وغياب هذه الحرية الدينية والفكرية -التي لا غنى عنها لخلق الشعور بالتآلف مع العالم وإمكانية السياحة أو الانسياح فيه، للتجارة والعلم ونشر الدين وإغناء التجربة العلمية (الرحالة العرب) والروحية (تنقلات المتصوفة) أيضا- هو السبب الرئيس في تحويل القرون الوسطى الأوروبية إلى حقبة مظلمة تفتقر فيها المجتمعات للنظام والاستقرار والمعرفة والحياة المدنية والأخلاقية، وسبب تمحور اهتمامها على الحروب الداخلية والخارجية والتوسع في سبيل السلب والنهب والسيطرة على موارد ريعية، وهو ما أعطت الحروب الصليبية أفضل مثال عنه9.
من الواضح إذن أن التجربة التاريخية الخاصة بالمجتمعات العربية -وهي ذات غالبية سنية- تقدم نموذجا مختلفا تماما للعلاقة بين الدولة والدين عن ذاك الذي عرفته المجتمعات الغربية الكاثوليكية في الحقبة الكلاسيكية، والذي استمدت منه النظرية الراهنة النموذج المعتمد في فهم إشكالية العصرنة والعلمانية في مجتمعاتنا المعاصرة. وقد دفعني هذا إلى أن أكتب منذ عقدين تقريبا في (نقد السياسة: الدين والدولة) أن مشكلة التشكيل العربي الإسلامي فيما يتعلق بعلاقة الدولة والدين لا تتمثل في سيطرة نموذج السلطة التيوقراطية، أو هيمنة السلطة الكنسية على السلطة السياسية وتحكمها بها لتأكيد وجودها كسلطة سيادية، كسلطان ما بعده سلطان، وإنما في سيطرة نموذج السلطة الأتوقراطية، أي سيطرة السلطة السياسية المجسدة بالسلطة الفردية المطلقة على السلطة الدينية، وتحكمها بها، حسب مصالحها وحاجاتها المتعددة للأداة القانونية وللشرعية والتعبئة الاجتماعية وبناء الهوية الجمعية المرتبطة بنشوء عصبية دينية.
ومن هذا المنظور لم تشكل السلطة الدينية في تاريخ الإسلام الكلاسيكي سوى واحدة من بين سلطات عديدة اجتماعية، اختصاصية أو مهنية، في حين أن السلطان -بمعنى السلطة العليا صاحبة السيادة التي لا سلطة فوقها- كان في الإسلام من نصيب الدولة البيرقراطية أو الإمبراطورية. فهي مركز سلطة عامة ليست كباقي السلطات، ولا تخضع لأي منها، ولا يمكن تجاوزها أو الخروج عنها، وهي المشرفة على حسن سير جميع السلطات الأخرى والمصادقة على سلوكها، بما فيها السلطة الدينية الاختصاصية.
وقد كان لهذا الاختلاف في علاقة الدولة والدين في التجربة التاريخية الإسلامية العربية أثر كبير على تطور أنماط الممارسة الدينية والسياسية معا. فلأن الدولة كانت منذ بدايات تكوين الاجتماع السياسي الإسلامي -بعد انهيار الخلافة الراشدة- هي مركز السيادة، وذات الكلمة الأخيرة في تقرير شؤون الجماعة، حرم رجال الدين أو الهيئة الدينية من إمكانية بناء سلطة دينية مستقلة وسيدة منافسة لسلطة الملوك، وفرض عليهم بالضرورة التكيف مع السلطان السياسي، وبالتالي تبني مسلك مختلف تماما عن مسلك النخبة الدينية المسيحية. وهذا ما يفسر غياب السلطة المركزية الدينية، بما تعنيه من وجود هيئة مركزية تضم جميع العاملين في الدين، وتشرف على تأهيلهم وتنظيم شؤونهم، وتجعل منهم قوة واحدة منظمة حسب تراتبية واضحة، وتوزيع للأدوار والصلاحيات الدينية كما هو الحال في الكنيسة البابوية. وبفقدانها مثل هذه السلطة المركزية، واضطرارها إلى الخضوع لأجندة وحسابات وتأثيرات سياسية وغير سياسية خارجة عن دائرة نفوذها وقرارها، وجدت الهيئة الدينية الإسلامية نفسها -من دون أن تدري- في حالة من التعددية والتنوع والاعتراف بالاختلاف، المتمثل في وجود مذاهب متعددة شرعية. وأصبح من المستحيل والحال كذلك تصور ولادة أي نزوع قوي في الإسلام إلى إقامة سلطة دينية معصومة من نوع بابوي، تفرض إشرافها ووصايتها على جميع الممارسات والنشاطات غير الدينية بما فيها السياسة، وتحتكر شرعية المصادقة على إيمان الأفراد وخلاصهم، وتقرر في المادة الدينية ما ينتمي لعالم الفكر المسموح به والمقبول ولعالم الهرطقة والتجديف والزندقة.
وبقدر ما منع وجود دولة إمبراطورية أو سلطانية قوية -وريثة تقاليد الإمبرطوريتين الساسانية والبيزنطية التي حلت محلهما، ومستندة مثلهما إلى قوة عساكرها وجيوشها وفتوحها الدائمة- رجال الدين، أو المتعاملين بتراث الدين ورصيده في المجتمع، من إمكانية بناء كنيسة وسلطة دينية حصرية، أسهم أيضا في تحديد نطاق عمل الدين ورجاله، وعزز استقلال السلطة السياسية وأولويتها على أي سلطة دينية يمكن أن تنزع أو تحلم بالنزوع إلى فرض وصايتها على السلطان. مما زرع الانقسام داخل صفوف النخبة الدينية بين فقهاء الدولة المستفيدين من تقربهم من السلطة، وغالبية رجال الدين الذين يعيشون حياة العامة ويقودون من فترة لأخرى حركات احتجاجها ومقاومتها. وإذا كان رجال الدين المقربون ضروريين لإضفاء الشرعية، فإن أي طامح لانتزاع السلطة كان يدرك أن سبيله إليها هو القوة الناشئة إما من عصبية طبيعية أو تنظيم عسكري وبالأحرى من كليهما. وقد استمر نمط هذه العلاقة غير المتكافئة بين رجل السلطة والدين مستمرة إلى العصر الحديث. من هنا صارت العصبية هي القانون الذي يحكم عملية التداول على السلطة وتجديد دورتها في المجتمعات العربية الوسيطية. ولم يحصل أن نجح أي حزب ديني في الوصول إليها من دون عصبية، كما وصف ذلك بدقة ابن خلدون في مقدمته المعروفة. وكان من نتائج ذلك تعزيز مفهوم مطلق وفردي للسلطة تجعلها حرة من أي قيد، شاملة ومنيعة على أي إشراف مدني وأهلي، خاضعة لإرادة الحاكم الفرد ومزاجه، ورهينة -في علاقتها بالدين- بتدينه أو زندقته. وهكذا اقتصر دور علماء الدين في السياسة -في نموذج الدولة الوراثية-، على النصيحة، فصار الدعاء للحاكم بالتوفيق والتأييد، وإسداء النصح له والمشورة لحاشيته، أو الدعاء عليه، هو الإسهام الرئيس لعلماء الدين في بناء النظام السياسي والمشاركة فيه.
في المقابل، ستولد النزعة الكنسية وشبه البابوية، ولو في صورة مخففة عن الكاثولويكية، عبر حركات المعارضة السياسية التي اتخذت شكلا دينيا. فجميع الفرق التي انشقت عن التيار الرئيس، وفي مقدمها الشيعة الاثنا عشرية، أعادت الربط بشكل أكثر بين الدين و»الدولة«، وألحقت السلطة السياسية والقيادة المدنية بالإمامة، وجعلت منهما امتدادا لمهمة دينية، نزعت إلى تكوين هيئة دينية مركزية، ذات تراتبية واضحة في السلطة، كانت هي نفسها مرتكزا لبناء دول أو سلطنات جديدة على هامش الدولة الأساسية، وفي حواشيها، تميزت جميعا بطابعها العقائدي الواضح. وهذا ما يبرز أيضا من خلال التمايز بين ما وسم بالمذاهب الباطنية ذات النزعات الفلسفية والأيديولوجية التوفيقية، والمذاهب الظاهرية التي تقتصد في تأويل النص وتكتفي بظاهره، كما يمكن لأي مؤمن عادي -على معرفة متوسطة بعلوم اللغة والدين- أن يفهمه. وتقدم الجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم مثالا للمسائل التي تثيرها الرؤية الشيعية للعلاقة بين الدولة والدين، والمشاكل التي يطرحها تحرير الدولة من سيطرة الكنيسة أو رجال الدين. ومن الضروري متابعة تطور هذه التجربة الفريدة، حيث تبرز عناصر عملية ونظرية قوية لإعادة بناء الدولة التيوقراطية، لكن في بيئة ثقافية وجيوسياسية واجتماعية بعيدة جدا عن أجواء القرون الوسطى، ومعادية في العمق لمناخاتها الفكرية والروحية ولنزوعاتها الأخروية.
5
وبالمثل، كما كان الأمر معكوسا في نوعية علاقة الدين بالسياسة والسلطة السياسية في العصور الوسطى، فهو ينزع إلى أن يكون معكوسا أيضا في العصر الحديث، بين عالم المسيحية (السابق)؛ أي الغرب، وعالم الإسلام فيما يتعلق بنمط العلاقة بين الدين والدولة وتوزيع السلطات والصلاحيات بين النخب المختلفة. بل إن القطيعة ستكون كاملة بين العالمين، أكثر من أي حقبة سابقة، في هذا المجال. إذ، بالرغم من أهميته، لم يكن التوزيع المختلف للمجال العمومي بين الدين والسياسة في العصور الوسيطة يمنع الجماعتين من الاشتراك في رؤية واحدة للعالم والكون، ومن خضوع سلوك أفرادهما إلى منظومات قيم متشابهة، إن لم تكن متماثلة، ومن أن تسيطر على مخيلة شعوبهما بنية رمزية أسطورية واحدة. أما في العصر الراهن فنحن أمام نموذجين لا صلة بينهما، يرتبط أحدهما بدين تَمَثَّل قيم الإنسانوية إلى حد بعيد، أو على الأقل تخلى -إلا في بعض القطاعات المحدودة من الجمهور- عن قيم التيوقراطية المشككة بصلاح عقل الإنسان وحكمه والمعادية أحيانا له، وثانيهما بدين ينزع أكثر فأكثر -تحت تأثير عوامل خارجية وداخلية قوية- نحو التجرد من التقاليد الإنسانوية الإسلامية وغير الإسلامية، والتشدد في تأويلات الدين التي تجعل من الإسلام والمتحدثين باسمه دين التكفير السريع والتشكيك بصلاح القدرة العقلية وتأكيد وصاية رجال الدين وفقهائه على جميع نشاطات الإنسان الفردية والاجتماعية، ومن ضمنها السياسية.
لا يختلف السبب هنا أيضا عن ذاك الذي دفع المسيحية الأوروبية الوسيطة إلى وضع الكنيسة في قمة الهرم السياسي وتكليفها بمهمات تتجاوز الخلاص الروحي وتتركز بشكل أكبر على تنظيم شؤون حياة المجتمعات المدنية، ومراقبة العقل والضمير، وأعني به إفلاس الدولة وفساد مفهومها وانحطاطا ممارستها. فمنذ ولادتها ارتبطت الدولة في معظم بلاد العالم الإسلامي الحديث، والعربي منه بشكل خاص، بمنظومة استعمارية أجنبية، وظلت إلى يومنا هذا حبيسة جيوستراتيجياتها الإمبريالية. وما كادت فكرتها تتجسد قليلا في الواقع وتدخل التجربة العملية في العقود الأولى من القرن العشرين حتى بدأت تتعرض لتحديات خارجية وداخلية غير مسبوقة، ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية، وتظهر عجزها عن الوفاء بوعودها. فلا كانت إطارا لتحقيق التضامن الإنساني كما تعد بذلك الوطنية، ولا وسيلة لإعادة بناء علاقات التواصل والتبادل بين بلدان سيزداد تقوقعها على نفسها وانغلاقها مع ترسخ مفهوم السيادة، ولا مركزا للإنتاج والإبداع والتأهيل العلمي والتقني، ولا من باب أولى مناسبة لفتح الحريات الفردية وتأمين الحقوق الأساسية وضمان احترامها.
ستظهر الدولة هنا أكثر فأكثر كوسيلة استلاب روحي وسياسي واقتصادي، وتترك فراغا فكريا وقيميا وتنظيميا واجتماعيا متناميا سيسعى أصحاب الدين والرؤية الدينية -على مختلف أصنافهم- لملئه. لكن هذه المرة من دون جدوى. فلا الحقبة الحديثة تسمح بالاشتغال الفعال لمشاعر الإيمان ومفاهيم الدين وحوافزه، ولا الإسلام -كما انتهى إلينا- قادر على تجاوز آثار القرون الأربعة عشر ونيف الطويلة وتجربتها التاريخية، وإعادة بناء نخبة دينية موحدة، ولا من باب أولى كنيسة وسلطة كهنوتية هرمية.
من هنا، بينما سيتعزز في الغرب المسيحي الاتجاه نحو علمنة الحياة الفكرية والدينية والسياسية، وتنحسر عصبية الجماعة لصالح تنامي مركزية الفرد بوصفه اللبنة الأساسية في البناء الاجتماعي بأكمله، وتتوسع دائرة استقلاله الفكري والسياسي، سيدفع انحطاط الدولة وفساد مفهومها -في سياق الرد على التحديات المتزايدة للاندراج في الحداثة- المجتمعات الإسلامية إلى إعادة اختراع مفهوم الدولة الدينية، دولة الخلافة التي درست منذ أربعة عشر قرنا، حيث يختلط رجل الهداية برجل السلطة ويصبح الرئيس إماما ومرشدا روحيا في الوقت نفسه، وتتماهى الدولة مع الجماعة وتصبح جزءا منها. ومفهوم الدولة الإسلامية الذي سيولد في سياق الكفاح من أجل التحرر من الاستلاب للغرب، وفي الواقع لحداثة رثة وسالبة، كتعبير عن استعادة القيم الأصلية وتحقيق الاستقلال الفكري والثقافي، سوف يتحول بسرعة إلى نظرية في الهوية، وينزع إلى ضمان الوحدة المجتمعية وتوحيد الشعوب والأقوام والعصبيات القائمة وتحصينها ضد مخاطر الانقسام والنزاع والحروب الداخلية وتعبئتها في معركة العدالة والتنمية. الإسلام هو الحل، شعار حقبة ما بعد الحرب الباردة يعني أيضا أو بالأساس تأكيد إخفاق جميع الحلول السابقة المستمدة، منذ تنظيمات 1853 العثمانية من الأفكار والنظريات والعقائد الحديثة/الغربية.
في سياق هذه الانتكاسة التي شهدتها الدولة والسياسة ولا تزال، ستتقدم الفكرة الدينية ويزدادا الطلب الاجتماعي على الدين باعتباره الأمل الوحيد في إعادة بناء العلاقات الاجتماعية على جميع المستويات، من الإحياء الأخلاقي والفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، إلى التأسيس المعرفي أيضا، كما تأمل ذلك مدرسة إسلامية المعرفة. ولن يصبح التديين، أو الرجوع إلى الدين وإرجاع أي نشاط إنساني لمعاييره والتقيد بأحكامه، مهما كانت، الوسيلة الوحيدة للخروج من الفوضى والانحطاط والتخلف والفساد عند الفرد والجماعة فحسب؛ وإنما للمصالحة بين الدولة والجماعة، وبين الحداثة والأصالة، والعرب والعالم، والماضي والحاضر أيضا. وسيقود هذا الطلب المتنامي في جميع الميادين على الفكرة الدينية إلى بروز النخب الدينية وتعدد مشاربها وتياراتها وأحزابها وتنازعها على احتلال الفراغ الذي تركه إفلاس الدولة الحديثة والأفكار والأخلاقيات والمذاهب التي ارتبطت بمشروعها10.
ومن النتائج البينة لهذا الرجع الديني القضاء على مفهوم المجتمع المكون من أفراد مستقلين ومتفاعلين، والعودة إلى مفهوم الجماعة بما تعنيه من أولوية الولاء على الاختيار، والانقياد والامتثال والطاعة على التفاعل والتبادل الحر بين أفراد أحرار. ومن وراء ذلك إلى نشر وتعميم تأويل شمولي أو كلاني للإسلام لا تعمل الحركات الإسلامية إلا على استثماره والتوظيف فيه، لكنه يتجاوزها ويشكل رأيا عاما قويا يضغط على رجال السياسة والثقافة والاقتصاد معا.
والمفارقة أن هذا الإحياء الديني الواسع يحدث في حقبة اجتثت فيها الحداثة الوسائلية القائمة كل مرتكزات السلطة الدينية تقريبا، الفكرية منها والمادية. فقد الإسلام -كعقيدة وكنخبة دينية، أكثر من أي فترة سابقة- استقلاله عن الدولة، بعد أن انتزعت هذه الأخيرة من العلماء ورجال الدين أوقافهم، وفرضت عليهم شروط عملها الوظيفي، وأجبرتهم على الالتزام -حتى في مجال الدين- بتطبيق أجندتها السياسية والعقائدية. وربما كان من الصعب الفصل بين شعور المسلم في الوقت الحاضر بالحاجة للدولة والتماهي معها، أي أسلمتها، وما حصل في العصر الحديث من جعل الدين عالة على الدولة وتابعا لها، في رعاية شؤون المساجد والمدارس والجامعات والتكايا، وفي توظيف العلماء وتكوينهم والعناية بالمؤسسات الدينية الخيرية والإنسانية، وفي تطبيق الأحكام الدينية والدفاع عن الدين ضد الهجومات الخارجية والداخلية. وهذا ما يعمق المشكلة ويزيد من توتر النخب الدينية التي تعيش حالة من الإحباط الدائم الناجم عن التناقض الكبير بين سعة انتشار الدعوة وقلة فرص تقدمها في تحقيق الأهداف التي أوكلت لها أو وعدت بها جمهورا بدأ يفقد صبره وربما إيمانه بها.
ومن نتائج هذا الإحياء أو الرجع الديني أيضا إلحاق مفهوم الدولة بالدين وربط التفكير السياسي بتطوير المفاهيم والقيم الدينية. مما يقود إلى تسطيح فكرة الدولة وتحويلها من جديد إلى أداة فحسب، تابعة لمن يتحكم بها، ومن ثم تراجع التفكير المستقل بالدولة من حيث هي مؤسسة جامعة وقواعد عمل وقيم ومبادئ وأصول قانونية ثابتة ومستقرة تعمل في نطاق مفهوم النفع العام لا للدفاع عن قيم أو عقائد فكرية وفلسفية. وبمقدار ما يحل فكرة الجماعة ذات الهوية الواحدة محل فكرة الأمة كرابطة سياسية يزيل من الأذهان فكرة المجتمع المركب والمستقل، المؤسس للدولة والقادر على تطويرها، لصالح مفهوم الجماعة/الدولة. هكذا، بدل أن يشجع المسلم على أن يفكر اليوم -كما يفترض منطق الحداثة- في العمل على تنظيم المجتمع وتعزيز استقلاله عن الدولة، ومواجهة تعسفها وانحرافها بوسائل إجرائية ودستوية وقانونية، تراه يحلم باستعادة السيطرة الأيديولوجية والرمزية عليها، حتى تكون دولة الجماعة دولته الإسلامية الخالصة من أي تأثيرات خارجية.
من هنا، لا يكاد نقد الدولة في الأدبيات الإسلامية المعاصرة يتجاوز اتهامها بالعمالة الأجنبية أو خيانة القيم التاريخية. ويستثمر الفكر الإسلامي المعاصر جل جهده في رد الاعتداءات الموجهة للدين من خارج الجماعة أولا، أي من الجماعات غير المسلمة، ومن داخلها أيضا ضد الزنادقة والمحرفين والمشوهين. فهو يتبنى برنامج حرب دائمة دفاعية في معظم الأحيان، لكن هجومية في أحيان كثيرة أيضا، تعتمد مبدأ التوسع لتعزيز دائرة السلطة الإسلامية وحمايتها من مخاطر الارتداد أو الهجومات الخارجية. نادرا ما يتعرض هذا الفكر لشرح آلية عمل الدولة وتنمية الوعي بوظائفها، وتطوير التربية المدنية التي تساعد على ضبط سلوكها والتحكم بآلتها. وبالمثل غالبا ما تأخذ مهمة الدفاع عن الشريعة وتأكيد صلاحها لمواجهة تحديات العصر -مهما كانت المرتبة الأولى في سلم أولويات التفكير الإسلامي الراهن- الأولوية على تطوير التفكير العقلي بشروط حياة المجتمعات والمشاركة في وضع اقتراحات وبلورة سياسات عملية في سبيل تحسينها وتغييرها. والسبب في ذلك أن هذا الفكر -كما يطرح اليوم- يظل -مَهْما فعل- حبيس المنطق الفقهي الذي يبحث عن الحلول في النص الديني، حارما نفسه من مزايا البحث الاختباري والعقلي. ولو فعل لفقد الحاجة إلى التأكيد على مرجعيته الدينية، وأصبح فكرا بشريا واجتهادا عقليا، كما كان فكر المسلمين في عصر التنوير الإسلامي الوسيط.
ربما يفسر هذا ما نعيشه اليوم من فقر الحياة السياسية عموما بل غيابها عن الحياة العامة، وتردد الجمهور المسلم بين التمرد على السلطة في أمل انتزاع السيطرة من جديد من الدولة أو الاستسلام لها والخضوع لقانون قهرها وتفردها. يمثل الموقف الأول إسلام الحركات الإسلامية الجديدة التي تعتقد أن استرجاع الدولة وإرجاعها إلى هويتها الأصلية الطبيعية الإسلامية لا يتم إلا بتغيير السلطة، ولو اضطر ذلك إلى استخدام القوة، ويمثل الثاني موقف الإسلام الرسمي الذي اعتاد التسليم بالأمر الواقع والاستسلام له.
ومن نتائج هذا الاحياء/الرجع الديني ثالثا المطابقة بين الجماعة السياسية والجماعة الدينية. فلا يكاد المنظرون الإسلاميون يميزون في حديثهم عن الأمة بين أمة المسلمين والأمة السياسية المكونة من أفراد يجمعهم الولاء لدولة وقانون، بصرف النظر عن اعتقاداتهم وولاءاتهم الدينية. لذلك يواكب انتشار الفكرة الإسلامية التيوقراطية الحديثة تكريس الطائفية، سواء في تصور الأمة كأمة مسلمين بالأساس عند الأغلبية، أو في رد فعل الجماعات غير الإسلامية على استملاك الدولة من قبل الأغلبية. هكذا يعتقد أغلب المسلمين اليوم -تحت تأثير التأويل الجديد- أن من حقهم الطبيعي والواضح كالشمس وهم الأغلبية فرض عقائدهم على الدولة، أو استخدام الدولة وأجهزتها للدفاع عن هذه العقائد، وعدم التساهل في ذلك مع المذاهب والأديان الأخرى. فتسويد عقائدهم في مستوى الدولة والسلطة المركزية هو محور العمل الأيديولوجي لتثبيت أركان الدولة واستقلالها. وأي تساهل في فرض مذهب الدولة السني أو الشيعي أو الإباضي يهدد بزعزعة استقرارها وإضعاف مركزها تجاه الجماعات الأخرى الداخلية والخارجية. التعبئة الدينية هي جزء لا يتجزأ من عمل الدولة الذي يظهر عبر بناء المساجد والجوامع والتكايا وغيرها من الرموز الدينية وتنظيم المواسم والمهرجانات الصوفية. لا يعني هذا بالضرورة عدم الاعتراف بالمذاهب الأخرى. فصيغة أهل الذمة القديمة لا تبرهن على أن هذا الاعتراف كان موجودا فحسب، ولكن أكثر من ذلك على أنه قام على أسس عقَدية أيضا. بيد أن هذا الاعتراف لا يبلغ مستوى الاعتراف بالتعددية، أي بالمساواة بين أصحاب المذاهب والأديان المختلفة أمام الدولة والسلطة العامة أو في ظلهما، وإنما هو تسامح مع الجماعات الأقلية يستمر طالما بقيت هذه الجماعات تعبر عن اختلافها في محيط خصوصيتها، وقبلت بأن تعيش هذه الخصوصية في إطار داخلي، بل هامشي، لا يضعف موقع السيادة الإسلامية ولا ينزع إلى العمل في الفضاءات العمومية. هكذا يمكن للمسلم بل من واجبه التبشير بدينه، فالدولة دولته، لكن أي محاولة من قبل أصحاب المذاهب الأقلية لتقليده تثير ردا عنيفا وقاسيا يمكن أن يهدد مصير الجماعة نفسها. هذا يعني أن للأقليات الدينية حق العيش بسلام والمشاركة في الحياة الاقتصادية وأحيانا السياسية التنفيذية، لكن ليس لهم الحق في منافسة المذاهب الإسلامية على المستوى العقدي.
من هنا يأخذ شعار الدولة الإسلامية معناه. فهو تأكيد على أن السيادة في هذه الدولة للعقائد الإسلامية على غيرها من العقائد، كما أنه تأكيد لدور الدولة في الحفاظ على العقيدة الحقة ولمسؤولياتها الدينية.
من الطبيعي والحال هذه أن تعود تقاليد حقبة ما قبل الحداثة وإسلام الانحطاط من جديد إلى الحياة، لكن في سياق جديد تماما. وليس المقصود من ذلك الدولة الإسلامية. فلم يكن لمثل هذا الشعار أي معنى أو وجود في تاريخ الدول الإسلامية التقليدية. ذلك أنه كان من مستوى الأمر الواقع والمعطى الذي لا جدال فيه، ولا يمكن أن يخطر على بال أحد الخوض في فكرته. فلم يطلق مؤرخ على الدولة الأموية والعباسية اسم الدولة الإسلامية. لكن انتشار أفكار الدولة الوطنية أو دولة المواطنية الحديثة التي لا تفرق بين المواطنين ولا تعطي لبعضهم أفضلية في المعاملة أمام القانون أو في الدوائر والمناصب الحكومية بحسب المذهب، قَوَّضَ ولا يزال يقوض أسس الممارسة السياسية التقليدية للمجتمعات الإسلامية، بقدر ما عنى تعطيل نظرية السيادة الإسلامية في البلدان ذات الأغلبية الإسلامية. فالدولة الإسلامية المنشودة في أدبيات الحركات الإسلامية المعاصرة لا تعني استمرار إلزام الدولة بمهام حماية الدين ورعاية شؤونه فحسب، ولكن أكثر من ذلك بتأكيد حق الأغلبية المسلمة في أن تحتفظ بالسيادة الدينية أو المذهبية ورفض مساواة المسلم وغير المسلم في الحقوق الدينية. وهو ما يعني في الواقع رفض الانتقال من صيغة التسامح التي كانت تمثلها نظرية أهل الذمة نحو صيغة المواطنة التي تعوم الأديان جميعا تجاه الدولة، ولا تترك لأي منها حصانة خاصة في مواجهة الأديان الأخرى.
عاد الإسلام اليوم دينا اجتماعيا وجمعيا، بل يكاد يكون دينا قوميا، لا دينا شخصيا. بهذا المعنى هو دين دولة، دين ودولة بالفعل. بمعنى أن الدفاع عنه لا يتم داخل الذات والضمير والنفس، ولكن في المجتمع وفي المؤسسات العامة. هكذا ينزع الإسلام إلى أن يتحول هنا إلى عصبية، أي إلى انتماء لجماعة ومجموعة. ويصبح الدفاع عنه جزءا من الحفاظ على الجماعة ومصالحها وتأكيدا لهذا الانتماء لا هداية عقلية ولا تربية ذاتية مرتبطين بوعي الفرد وتقواه. إذا ضعفت العصبية تراجعت مواقع الجماعة وتهددت هويتها وتزعزع إيمان المسلم بدينه. والعصبية من دون دولة تخشى الانحلال والموت. فهي قائمة على القوة والوهم لا على اقتناع داخلي وتصديق وإيمان.
يكاد يكون من الصعب أن يقبل مسلم اليوم بمضمون الآية الكريمة: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون}. ومع انحطاط الطرق الصوفية أو تراجعها الطقوسي زاد اعتماد الإسلام المخفض إلى فقه وأحكام قانونية، أي الطالب للدولة التي تستطيع وحدها تطبيق هذه الأحكام، أو لدولة تطبقها، تكاد تمحى التجربة الدينية في الإسلام من حيث هي تربية ذاتية على طريقة الصوفية الأولين. فلم يعد يهم المسلم الممتثل للشرع في الواقع بماذا وكيف يفكر ويعمل مع ضميره، ولكن ماذا يقول عنه وكيف ينظر إليه الآخرون، أي ماذا سينال في مقابل سلوكه الممتثل للقواعد الفقهية من المجتمع ومن الله أيضا.
وعندما يخاف المسلمون من أن يؤدي زوال سيادة الإسلام كدين في بلد أغلبيته السكانية من المسلمين، فكأنهم لا يثقون بأنفسهم ويعتقدون أن تخلي الدولة عن دعم عقائدهم سوف يقود إلى ترك الناس للدين أو تراجع الدين من القلوب. كما لو أن تمسكهم بتسويد طابع الإسلام في دولتهم هو آخر ما تبقى لهم كي يوقفوا مسار سلبهم السلطة في هذه الدول. الإسلام السلطة؛ أي أسبقية المسلمين على غيرهم في بلاد الأغلبية الإسلامية، وتعميم رسوم الهوية الإسلامية في الفضاء العام على ما غيرها من الرسوم الغربية أو غير الإسلامية هو معقلهم الأخير.
ليست محاكمة المسلمين العفوية والشائعة خاطئة تماما. فليس هناك شك في أن الإقرار بأسبقية دين أو سيادته في إطار دولة ما يضمن لأصحابه مواقع متميزة في السلطة ويحرم الآخرين من إمكانية التوسع على حسابهم. فلم يكن الإسلام ليحتل المكانة التي له اليوم في البلاد العربية -خاصة في تلك التي كانت تسيطر عليها المسيحية- من دون فرض السيادة الروحية الإسلامية. وهي كما ذكرت لا تتناقض مع نظرية أهل الذمة. فبفضلها نجح المسلمون في التحول إلى أغلبية سكانية بعد أن كانوا أٌقلية. وربما عادت ذكرى هذه التجربة لتحكم تفكيرهم بالسلطة العمومية وعلاقتهم بها من حيث هم أعضاء في جماعة دينية، بعد أن درست آثار الوطنية الحديثة وأفل نجم القومية ومشاريعها التاريخية. يفاقم من هذا النزوع ما يعيشه الإسلام وجماعاته من تهميش داخل دولهم، وما يعانونه من غربة واستلاب فيها، بعد أن أصبحت مزارع خصوصية لأصحاب السلطة والمال المتحالفين مع الإمبراطوريات العالمية.
لكن، إذا كان من الصحيح -وهذا ما يعرفه القادة السياسيون- أن الإيمان ليس هو الحافز الوحيد لدفع الناس إلى الدخول في هذا الدين أو ذاك، أو أن نشوء هذا الإيمان لا ينفصل عن اتجاهات القوة والسطوة والسيادة التي تبرز هنا وهناك، وهو المقصود بشعار: الناس على دين ملوكهم، فإن من غير الصحيح أن ما صدق في الماضي يصدق في الحاضر. فقد تغيرت قواعد عمل النظم الاجتماعية وقيم الناس ومطالبهم الروحية والسياسية معا. ولم يعد من الممكن لأي جماعة خاصة أن تفرض السيادة العقائدية في بلد مهما كان نوعه أو أصله أو نسبة الأغلبية الدينية فيه، بل في بلد ليس فيه سوى دين واحد، من دون أن تخاطر بتدمير أسس عملية بناء الدولة والمجتمع معا11. فلا حياة لمجتمع اليوم من دون حرية التفكير والتعبير وسيادة الفرد على نفسه. ولم يعد من الممكن المراهنة على التخويف من أجل فرض الالتزام الجمعي على الفرد. فإما أن يأتي ذلك كنتيجة للتربية الفكرية وتكوين الضمير أو لن يأتي أبدا. فالفرد اليوم حر بالمعنى الخام للكملة، أي أن لديه في المجتمعات الحديثة فرص كبيرة للتغلب على الرقابة الاجتماعية والالتفاف عليها. وما لم تصدر مواقفه عن إيمان فلن يقف شيء أمام استعداده للفساد. ولا بناء ممكنا للضمير الأخلاقي على قاعدة الإمعية والضغوط الاجتماعية والتخويف والترهيب والترغيب، على منوال التربية التقليدية. إن بناء الضمير الأخلاقي يتطلب بناء معنى الحرية التي هي أساس الشعور بالمسؤولية ومحركها. فالرجل العبد لا أخلاق له؛ لأنه مُرَبّىِ بالأساس -وهذا هو جوهر العبودية- على ألاّ يحترم نفسه، وأن يعمل كآلة وأداة في تنفيذ إرادة غيره وشهواته. والمجتمع الإسلامي شبه العبودي الذي خلفته قرون الانحطاط لم يستطع في الماضي القريب، ولن يستطيع اليوم أن يصمد، ولا أن يدافع عن الإسلام ويخلد تراثه وثقافته واسمه في عالم اليوم المفتوح والمتفتح، إذا لم يتحول إلى مجتمع أحرار ويصبح كل عضو فيه مسلما باختياره واقتناعه واجتهاده، أي بايمانه، لا تعلقا بعصبية أو خوفا من عقوبة أو امتثالا ومسايرة للتوافقات الاجتماعية.
هل الإسلام مسألة إيمان تخص علاقة الفرد بربه، بصرف النظر عن جنسه وقوميته ومكان تواجده؟ وهل هو قادر على الحياة من دون دعم الدولة والسلطة السياسية، أم هو عقيدة وثقافة وهوية جمعية لا يقوم من دون سياسة وسلطة وغلبة؟ كما تَكَوَّن في الواقع التاريخي وكما وصل إلينا، هو من دون شك الإثنين معا. هو إيمان وإسلام، علاقة بالله وثقافة وفقه ومعارف اجتماعية. كان هذا طبيعيا في دول قائمة على الغلبة وتتماهى فيها الجماعة الغالبة مع الدولة. لكن هذا ليس ممكنا اليوم في دول حديثة ديمقراطية تعتمد فيها السلطة على الاختيار وتضمن المساواة بين جميع مواطنيها. وفي اعتقادي أن الإسلام قادر على الوجود والاستمرار بفعل الإيمان وحده ولا حاجة من أجل استمراره إلى الدولة والسلطة المرتبطة به أو الخاضعة له. وإذا كان الجواب أنه غير قادر، فهذا يعني أنه لم يعد موجودا أصلا كعقيدة أو اعتقاد؛ لأنه اعتراف بأن وجوده الراهن ناجم عن استمرار القسر بل القهر الرسمي، الحكومي أو الاجتماعي، وليس عن اقتناع وإيمان وتصديق. وما يقوم على القهر ليس دينا ولكن سياسة. وهو لا يستطيع أن يغير شيئا في تربية الفرد وبناء وعيه؛ ولكنه يؤسس للغش وفساد الضمير. أما إذا كان الجواب بنعم، فليس هناك ما يجعل المسلمين يخشون تعويم الأديان جميعا؛ أي الاشتراك في دولة مدنية مع غير المسلمين على قدم المساواة، والتنافس معهم على مستوى الفكر والعقيدة لكسب الرأي العام وجذبه إلى صف اختياراتهم وقيمهم. هل الإسلام ممكن من دون قهر، أم أن القهر جزء لا يتجزأ منه؟ هذا هو السؤال. وهو موجه إلى المسلمين قبل غيرهم.
بالتأكيد هناك من يقول: إن محمدا قد استخدم القوة وكذلك فعل الصحابة الفاتحون، وما كان لينجح من دونها. بيد أن القوة التي استخدمها الرسول، والتي مثلتها غزواته العديدة، لم تكن لنشر الدين ولا للدفاع عنه، وإنما لرد حروب المشركين الذين وقفوا بالقوة ضد الدعوة حتى حاولوا اغتيال الرسول نفسه. وهناك من سيحتج بقول عثمان: يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرأن. وهذا صحيح. لكن ليس له علاقة بالدين. إنه قول يؤسس للدولة والسياسة بقدر ما يؤكد أن الدين ليس كافيا لبناء سلطة عمومية مستقرة وراسخة، ولا بد لبنائها من استخدام السياسة والسيف الملحق بها. لسان حال الدين يقول العكس: يزع الله بالقرآن ما لا يزع بالسلطان، أو هكذا ينبغي على أنصار الدين أن يقولوا إذا كان هدفهم تبرير رسالة الدين وتعزيز موقعها. فإذا كان الله يزع بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن لم تعد هناك حاجة للدين، وكانت السياسة -بالمعنى العقلاني المجرد عن الدين- هي الأولى بالممارسة لبناء المجتمعات. ولكن السياسة ليست كافية، لا على شكل استخدام للقوة المشروعة ولا على شكل استخدام الحيلة. لا بد لبناء المجتمعات -ولا أقول الدول- من دين، أي من منظومة قيم عميقة وفاعلة، على درجة كبيرة من القبول الإيماني؛ أي التلقائي والاعتراف بالنجاعة والصلاح، وهو ما يحتاج إليه بناء المجتمع المؤسس للدولة. والمجتمع الذي يفتقر للقيم المعتمدة والجامعة والثابتة لا يستطيع أن يبني مجتمعات ولا دولا ولا أن يشيد حضارة.

================

أستاذ الدراسات العربية المعاصرة بجامعة السوربون، باريس .
1 - إلى هذه الفترة يرجع مصطلح العصور الوسطى الذي لا نزال نستخدمه اليوم، وكان أول من استخدمه فيافيو بيوندو الإيطالي لوصف الحقبة السابقة تمييزا لها عن الحقبة الجديدة التي أطلق عليها اسم النهضة.
2 - »البروتستنتية« في موسوعة الأديان، بالفرنسية، يونيفيرساليس، مجلد 1، 2005م.
3 - انظر رسائل مارتن لوثر الكثيرة وبشكل خاص الرسالة العنيفة بعنوان »بابوية روما أسّسها الشيطان«. وفيها يلخص لوثر نقده للكنيسة البابوية المتمثل في رفض غفران القسيس للذنوب، وضرورة حرق صكوك الغفران وبالتالي إلغاء تكسب الكنيسة من الشعب، ورفض عزوبية الكهنه والقسس حتى تتوقف الدعاره في الأديرة والكنائس، وإلغاء القداس الإلهي وغفران القسيس لذنوب الميت حيث لا يغفر الذنوب إلا الله، وإلغاء تحويل القسيس للخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه باعتبارها عملية نصب وشعوذة.
وقد بدأت حركة الإصلاح عندما نشر مارتن لوثر (1483-15460) بياناً يحتوي على 95 قضية ضد صكوك الغفران. ولصق البيان على باب كنيسة فتنبرج، في يوم 31 أكتوبر 1517م. كان ذلك ردا على إصدار بابا روما في سنة 1511م صكوك الغفران الشهيرة. وقد قاوم لوثر ضغوط البابا واستمر في دعوته المعادية للكنيسة والناقدة لسلوكها.
وفي سنة 1520م نشر لوثر نداءه الشهير الموجه إلى »النبلاء العطايين في ألمانيا« و تلاه برسالة عنوانها: »في الأسْر البابلي للكنيسة«. وفي كليهما هاجم المذهب النظري لكنيسة روما، فأصدر البابا لاون العاشر مرسوماً ضد لوثر يحتوي على 41 قضية. لكن لوثر أحرق المرسوم علناً أمام جمع حاشد من الأهالي والطلاب والعلماء في مدينة فتنبرج.
4 - »الأخلاقيات البروتستنتية« المرجع نفسه، مجلد 3.
5 - انظر: تأسيس الدين المسيحي، الذي طبع لأول مرة باللاتينية عام 1536م ثم بالفرنسية عام 1541م.
6 - على طلب الكنيسة بالتراجع عن تصريحاته رد لوثر بالقول: سأظل ملتزما بالنصوص التوراتية التي ذكرتها، ما لم أقتنع بالنص أو بالبداهة العقلية بعكس ذلك، سوف أظل متمسكا بما ذكرته من نصوص الإنجيل. ذلك أنني لا أؤمن لا بعصمة البابا ولا بعصمة المجمع الكنسي، طالما أصبح من الثابت أنهما أخطآ أكثر من مرة وأظهرا تناقضا في مواقفهما وآرائهما. وما دمت أسير كلام الله، لن أستطيع ولا أريد أن أتراجع، فليس من اليقين ولا الخلاص في شيء وقوف الإنسان ضد ما يمليه عليه ضميره. ليكن الله في عوني، آمين. جان بول وليام، المرجع نفسه، مجلد 2.
7 - إريك فوش، مرجع مذكور.
8 - لا يعني ذلك أن الدنيا لم تكن مهمة في نظر الأفراد، في ظل الهيمنة الكنسية، فهي الغاية أولا وأخيرا، وإنما يعني أن النظر إلى الدنيا ومطالبها وحاجاتها كان يمر، أو بالأحرى كان ينبغي أن يمر حتما، عبر الاستعداد للآخرة، ويخضع لمتطلبات الخلاص في الآخرة، ولا يرتقي إلى مستوى الفعل الشرعي وذي المعنى من دون أن يتطابق مع المعايير والقيم الدينية، أي من دون أن يتحول أيضا إلى واجب ديني. هكذا كان الناس يعيشون على الأرض يتقاتلون ويتنازعون ويعملون وينتجون وينجبون ويرتكبون المعاصي، ولكنهم لا يفكرون إلا في آخرتهم، ولا يكادون يشعرون بأن للحياة على الأرض معنى، أو أنها تستحق التأمل في ذاتها، أو أن من الممكن والواجب تحسينها عن طريق الارتقاء بالتعليم أو التربية أو التنظيم الإداري والتقني. الحياة تعاش كما هي، أما الآخرة فهي مصدر المعنى والغاية. ولذلك ما كانت تبدو الحياة على الأرض إلا كمرحلة عابرة، وعتبة الولوج إلى حياة الخلود والسعادة المطلقة واللذة الأبدية غير الفانية.
9 - هذا الازدهار العلمي والفكري الذي عرفه العصر الإسلامي الوسيط هو الذي يدفع الكثير من الباحثين إلى تقرير وجود بذور العلمانية في الفكر العربي الإسلامي نفسه. لكن لا يمكن المطابقة بين وجود التيارات العقلية المؤكدة على أولوية الرأي على الإتباع ووجود العلمانية بالمعنى الدقيق للكلمة. فالإشكالية لم تكن مطروحة في الفكر الإسلامي أصلا كما لم تكن مطروحة في الفكر اليوناني الكلاسيكي، وذلك بالضبط لغياب تحدي السلطة الكنسية السيدة أو الطامحة في فرض سيادتها العليا على السلطة الزمنية والعقلية أيضا. إنما ليس هناك شك في أن أشكالا متعددة من التمييز بين السلطات الدينية والسياسية قد وجد كما ذكرت أنا نفسي في أكثر من مكان في التاريخ الإسلامي، وبصورة عفوية وطبيعية طالما استقرت السيادة أو السلطان الأعلى لرجل الدولة لا لرجل الدين. انظر كتابي نقد السياسة: الدولة والدين، المركز الثقافي العربي، ط4، بيروت 2007م وكذلك جبرا الشوملي، العلمانية في الفكر العربي المعاصر، دراسة حالة فلسطين، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2008م.
10- ومنه أيضا احتدام الصراع على الإسلام وسعي الأطراف المختلفة، الرسمية والشعبية، بل المحلية والدولية، إلى الاستفادة من الرصيد الروحي والتاريخي المرتبط به لتعزيز مصالح أو مواقع مهددة أو انتزاع بعضها الآخر. انظر على سبيل المثال رضوان السيد، الصراع على الإسلام، الأصولية والإصلاح والسياسات الدولية، دار الكتاب العربي، بيروت، 2004م.
11- هكذا لأول مرة منذ عقود طويلة تداولت الصحافة السورية في مطلع هذا العام ما سمته مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد. وقد وردت فيه أكثر من عبارة تشير إلى أهل الذمة. وقد أثار هذا المشروع من ردود الأفعال العنيفة من قبل قطاعات واسعة من الجمهور. ما حفز السلطات إلى سحبه من التداول وإنكار وجوده أصلاً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق